أما مشكلة غياب القيادات في الأمة؛ فتستدعي التركيز على دور القوى الاجتماعية الحيوية، التي يمكن أن تلعب دور البديل سواء في محاصرة القوى التقليدية، من أي انزلاقات خطرة تهدد ما تحقق من منجزات، أو في استئصال قواعد النظام المستوطنة في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، أو في مواجهة اعتراضات «المركز» وأدواته، وحتى طابوره الخامس. لكن إذا كانت المرحلة الثانية من مهمات القوى الاجتماعية فإن للمرحلة الثالثة قيادات وقوى وأطروحات من الصعب تصور وجود القوى التقليدية فيها بذات العقلية التاريخية التي شكلتها وهيمنت على أدائها عقودا طويلة.
لا ريب أن منظومة الاستبداد المحلية، التي جهد «المركز» في بنائها عبر قرون الصراع الطويلة، صارت تتهاوى تحت وقع الضربات القاسية التي توجهها الثورات العربية .. ضربات تضع «المركز» في موقف دفاعي بالغ الحرج، قد يتحول إلى كارثة تاريخية، وربما حضارية. لكن رغم أن «المركز» يعاني من أزمات طاحنة على كل مستوى إلا أنه من غير المنطقي توقع استسلامه دون مواجهة طاحنة.
لا ريب أيضا أن «المركز» في حالة هجوم مستمر لم يتوقف، كونه يعلم أن منظومات السيطرة التي أقامها، عالميا ومحليا، تستهدف، بالدرجة الأساس، الإسلام والعالم الإسلامي، باعتبارهما القوة القادرة على مواجهة شتى صنوف الفساد والطغيان البشري، وعقلنة الحياة الإنسانية، وتطهير الأرض من الظلم. إذ من الطبيعي أن يكون الإسلام، الذي جاء بآخر كلام الله، عزّ وجل، بين البشر، هو صاحب الكلمة الحاسمة في مسار الحياة الإنسانية، وليس الرأسمالية أو أية فلسفة دنيوية، وإلا ما كان خاتم الأديان السماوية.
هذه الـ «لا ريب الثانية» تعني أن الأمة الإسلامية هي القوة الحيوية الوحيدة التي يمكن أن تشكل خطرا على نظم الهيمنة
الدولية والمحلية. ولأنها، بنظر «المركز» كذلك؛ فمن الطبيعي ألاَ يستسلم في أول مواجهة شعبية، تنقل الأمة من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم. وبالتالي لا بد من اعتراض الثورات العربية بأفضل ما يتوفر له من أدوات ووسائل وآليات.
من المؤكد أنه ثمة فرق هائل بين أوائل القرن العشرين وأواخره، في مستوى وعي الأمة وإمكانياتها وقدراتها وديمغرافيتها،
فالعالم الإسلامي تضاعف عدد سكانه نحو أربعة أضعاف، وحقق تقدما ملحوظا في مستوى التعليم ومحو الأمية، واكتشفت فيه ثروات لا تضاهيها أية ثروات أو موارد في العالم، وتسببت الصحوة الإسلامية في مطلع سبعينات القرن الماضي بطباعة التراث الإسلامي برمته، وصارت قواه تناوش «المركز» ، وبعضها يتمرد عليه، بل أن الأمة صار لها جماعات مقاتلة، صلبة وصعبة المراس محليا، وأخرى ضاربة، وعابرة للحدود وحتى للقارات، وصولا إلى عقر دار «المركز» !!! وغدا العالم الإسلامي، والعربي على الخصوص، مختلفا عن ذي قبل، وهو يتحفز لامتلاك المبادرة.
وما أن جاءت حرب الخليج الثانية سنة 1992 حتى تَبين أن «إسرائيل» لم تعد قادرة، وحدها، على حفظ مصالح «المركز» ، في المنطقة، دون تدخل من «المركز» نفسه. وهذا يعني أن الآليات التقليدية في السيطرة والتحكم الدولي، (النفط والتسلح والغذاء والعولمة) ، لم تعد قادرة على تأمين مصالح «المركز» ، وتلبية احتياجاته، ما لم يتم إسنادها بآليات أخرى جديدة، ومحلية، وربما أشد فتكا.
في هذا السياق يمكن فهم الاعتراض العسكري الذي نفذه حلف «الناتو» في ليبيا ضد حكم القذافي لاحتواء الثورة الليبية