«الأخوة الإسلامية» كانت أساس العلاقات بين الشعوب الإسلامية، العربية والأعجمية. أما أهل الذمة فقد حفظ الإسلام حقوقهم كاملة دون أن يمسهم أحد بسوء، طوال عصور التاريخ الإسلامي. لكن بعد الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي استبدلت المفاهيم وأسس التعايش بمفاهيم «الأخوة العربية» [1] و «أخوة الوطن» . فقد نجحت «سايكس - بيكو» ، عبر التعليم والثقافة ووسائل الإعلام والسياسات الأمنية، بضرب كل علاقات الترابط الفطرية، التي كانت تميز العلاقات الاجتماعية بين المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها. وتبعا لذلك بدت المجتمعات العربية قابلة لـ «الانقسام» ، فظهرت «انقسامات» اجتماعية وعنصرية، ساخرة وصراعية، فيما بين الشعوب، على أساس العمق الحضاري، أو الخصائص الثقافية، أو دخل الفرد، أو المكانة الاقتصادية، أو العلمية، أو حتى مستوى التحضر، أو الانتفاع من النظام القائم، أو قوة الدولة وضعفها، أو الانتماء المذهبي، والسياسي، والأيديولوجي. وتعرضت المجتمعات لـ «انقسامات» : «جهوية» و «مناطقية» و «قبلية» و «عرقية» و «طائفية» . بل أن «الانقسام» ، في صلب دولة «سايكس - بيكو» ، وصل إلى حدود المكانة والمصلحة، فنادى البعض بـ «الأردن أولا» أو «مصر أولا» أو «الجزائر أولا» !!! ومع انتشار وسائل الاتصال الرقمية صرنا نقرأ طنطنة من نوع «قطري وأفتخر» أو «كويتي وأفتخر» أو «عراقي وأفتخر» ... وهكذا لم تعد «مكة أولا» ولا «القدس ثانيا» !!!
بطيعة الحال ثمة فروق جوهرية بين الحديث عن «التمايز» ، كمصطلح شرعي، والحديث عن «الانقسام» كمصطلح اجتماعي. فـ «الانقسام» يقع على خلفية البحث عن المكاسب والمصالح الدنيوية، الخالية من تحمل أية تكاليف شرعية، بل أن التكاليف يجري حسابها بموجب معايير الربح والخسارة. وبخلاف «التمايز» ، الذي تفرضه المحن، فإن المواقف الفاصلة لا يمكن أن يجري احتسابها إلا بموجب الأحكام الشرعية، التي تجعل ثمن المواقف باهظة التكاليف [2] .
إذن الدول العربية، وكذا الأنظمة السياسية هي محصلة لمعاهدات استعمارية صريحة، حتى لو كانت بعض النظم أو الدول ذات شرعية تاريخية أو عمق حضاري. قد لا نستطيع القول، طبقا للنظام الدولي القائم، أن الدولة العربية بالصيغة الراهنة غير شرعية مثلها مثل النظام السياسي الحاكم فيها، لاسيما وأن الدول تحولت إلى نمط حياة غير قابل للطعن على أي مستوى. لكن هل يصح القول بشرعية: (1) الاستبداد والطغيان أو (2) بشرعية الهيمنة والتبعية المضروبة على العالم الإسلامي، وفي القلب منه العالم العربي؟ وهل يمكن أن يستمر هذا الحال إلى أمد غير منظور؟ [3] إذا كان الجواب بالنفي؛ فما هي المنجزات التي حققتها الثورات العربية وهي تبلغ عامها الأول؟
(1) لعل «الأخوة العربية» أحد أطرف التعبيرات التي أنتجتها منظومة «سايكس - بيكو» !! فالمعروف عن العرب قبل الإسلام أنهم كانوا قبائل متصارعة فيما بينها، وكذلك الأمر فيما يتعلق بتعبير «أخوة الوطن» !! الذي لم يرد له ذكر في كتب التراث الإسلامي ولا في كتب التاريخ!!!
(2) (يمكن ملاحظة لحظات التمايز الحاسمة في مواقف الجنود المنشقين في بداية الثورة السورية. فقد كانت قيادات الجيش السوري الطائفية تقوم بـ(1) عزلهم عن وسائل الإعلام، ثم (2) تعبئتهم حول وجود مندسين و عصابات يقتلون الناس، ومن ثم (3) الزج بهم في قلب الاحتجاجات الشعبية، وأخيرا (4) إصدار أوامر لهم بإطلاق النار على المحتجين. ولأن الموقف كان مفاجئا لهم فقد كانوا يمتنعون عن تنفيذ الأوامر متسائلين باستهجان: لكن هؤلاء مدنيون وليسوا عصابات!!!!؟ ولا ريب أن مثل هذا الموقف يعكس لحظة المحنة الأشد التي لا مفر معها إلا الانقسام، سهل التكاليف، أو التمايز، أي بدفع الثمن من الحياة. لذا فقد تعرض الكثير منهم للقتل بسبب إصرارهم على رفض تنفيذ الأوامر.
(3) في أعقاب فوزه بولاية ثانية سئل الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان عن رؤيته لمستقبل الشرق الأوسط فكان رده طريفا وصريحا حين قال: هذه المنطقة وقعت تحت النفوذ الغربي سابقا ويجب أن تظل كذلك في المستقبل!!!