الصفحة 24 من 44

القسم الثالث

الثورة

و ديناميات الفعل الثوري

من الواضح أن البشرية تسير في طريق شبه مسدود. فلم يعد ثمة أمل ولا طموح. و «الرأسمالية» لا تريد أن تعيش ولا تدع الناس يعيشون. أما نظم «سايكس - بيكو» فلم تترك للناس إلا معادلة عقيمة لا تَفاضُل فيها إلا ما بين: «الحكم أو الحرب» . مع ذلك؛ ثمة من ساورته الشكوك بأن الولايات المتحدة هي من وقف خلف هذه الثورات، مستدلا بأطروحة «الفوضى الخلاقة» التي روج لها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد بعد احتلال العراق في 10/ 4/2003. والحقيقة أن أول من روج لهذه الشكوك، وعمل على زرعها في عقول الكثير من الشرائح، هم المستشرقون الروس. أما تعبير «الفوضى الخلاقة» فقد استعمله «المركز» ليكون بديلا عن تعبير «المؤامرة» .. ذلك المصطلح الأيديولوجي الذي أوجدته المنظومة الاشتراكية، واستهلكته القوى الوطنية الراديكالية، ذات النزعات الأيديولوجية الوضعية، حين كانت تفسر عجزها عن قراءة الأحداث بوجود «مؤامرة» ، وهذا نسبيا صحيح. لكن غالبا ما جرى استعمال المصطلح في التغطية على الاغتيالات، والصراعات البينية، وتصفية الحسابات، ولو على سهرة مجون أو قمار، حتى إذا ما تصالح القوم، أو حسمت الصراعات لصالح طرف، كان الثمن مجرد بيان يحمِّل العدو و «المتآمرين» مسؤولية ضرب «الوحدة الوطنية» !!!

لا شك أن شهادة كونداليزا رايس أمام الكونغرس، عشية اختيارها وزيرة للخارجية - 2004، صحيحة في حينه، لما أجابت على سؤال يتعلق بأفكارها حول مستقبل الشرق الأوسط، بالقول أنها ستعمل على استبدال النظم المستهلكة. وصحيح أن الأمريكيين قاموا بتدريب مجموعات على وسائل معارضة النظم أو كيفية تنظيم المظاهرات، وصحيح أنهم مولوا بعض القوى. لكن من يجزم بأن أمريكا امتلكت تصورا شاملا، وبهذه السرعة التي تمكنها من إنجاز مثل هذا المشروع؟ وإذا تجرأ البعض على اعتبار ملايين الوثائق المسربة إلى موقع «ويكيليكس» ، هي أحد الأدوات الناجحة في إشاعة «الفوضى الخلاقة» ؛ فهل ثمة من يغامر بالقول أن الاحتجاجات التي تجتاح عواصم «المركز» ، ومئات المدن، وتخترق قارات العالم، هي الابنة الشرعية لـ «الفوضى الخلاقة» ؟

الحقيقة أن أحدا لم يعد يجرؤ على مجرد إثارة الأمر، لا من الروس ولا من الديماغوجيين، الذين برعوا في احتجاز عقولهم في أيديولوجيات القرون الأولى ولم يعودا قادرين على الانفكاك منها. أما الثورات العربية، فقد صارت ثقافة لها ديناميات فعالة. لذا فإن الوقوف على ما حققته وما ينتظرها من مهمات أولى من الدخول في مقارعات لا جدوى من ورائها إلا إضاعة الوقت والجهد.

لا ريب أن أول التعليقات على نتائج اندلاع الثورات العربية كانت، وما زالت، تركز على ما يسمى بـ «انكسار حاجز الخوف» . وبحسب مصطلحات علم النفس فإن الخوف سمة نفسية تتملك الفرد لأكثر من سبب، وتحتاج إلى وقت وعلاج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت