للتخلص منها. لكن حين يغدو الخوف سلوكا جماعيا [1] فمن الطبيعي أن يجري البحث عن الأسباب الاجتماعية، وليس الفردية لتفسيره كظاهرة اجتماعية. ولعل الانطلاق من هذه الفرضية يحيلنا مباشرة إلى البحث في العلاقة الاجتماعية ذات الصلة، وهي علاقة المواطن بالدولة، بوصفها علاقة نفعية في المرحلة الأولى، ما لبثت أن تحولت، مع مرور الوقت، إلى علاقة خصومة، عززتها سياسات دولية، قدمت الشرعية والرعاية والحماية للاستبداد ورموزه.
فمن المفترض أن تكون الحقوق والواجبات، وليس الولاء، هي المعادلة التي تشكل إجمالي العلاقة ما بين المواطن والدولة، وفق ضمانات قانونية ملزمة وعادلة، بحيث تحقق للجانبين مصالحهما المشتركة والمصيرية. أما واقع الأمر فيثبت أن الدولة والنظام السياسي باتا يحملان معنى واحدا يقوم على القوة والبطش، مقابل إضعاف المواطن بشتى الوسائل. وحين يبدأ الاستبداد والطغيان يتبلوران؛ فالذي يحدث ليس سوى استنزافا تدريجيا لرصيد الفرد من القوة لصالح رصيد القوة لدى النظام. وبطبيعة الحال فالنتيجة المتوقعة هي الاختلال الحتمي لمعادلة القوة ما بين الطرفين. وكلما استعص على الفرد حماية حقوقه أمام تعاظم قوة النظام، كلما ضعفت قوته، وتسرب إليه الخوف من البطش مفسحا المجال لنمو ما يسمى بـ «حاجز الخوف» ، الذي يصعب اختراقه إلا بعمل جماعي.
هذا الحاجز يتشكل بسلاسة عجيبة. وفي المرحلة الأولى منه، يبدأ باستنزاف الفرد من عناصر القوة، ثم يدفعه، بوسائل عديدة، إلى الاعتراف والتسليم بكون الحقوق التي يطالب بها صارت حقوق النظام وليست حقوقه، والدستور دستوره، والقوانين قوانينه، والمحاكم محاكمه، والأمن أمنه، والاستقرار استقراره، والحرية حريته، والثروات ثرواته، والامتيازات امتيازاته، والاستثمار استثماره، والتجارة تجارته، والاقتصاد اقتصاده، والفرص فرصه، والتعليم تعليمه، والثقافة ثقافته، والدين دينه. ولا شك أن تعاظم قوة النظام ستؤدي، في المقابل، إلى تفاقم ضعف الفرد لأدنى مستوى، بحيث يخشى من أية مواجهة غير محمودة العواقب ... لكن في المرحلة الثانية، يحدث الاصطدام، بعد أن يكون النظام قد نجح في تجريد الفرد من أية عناصر قابلة للاستنزاف. وهنا يحدث انكشاف بين الجانبين: استبداد النظام واستئثاره بعناصر القوة كاملة، وطغيانه في شتى مناحي الحياة، دون أن ينتبه إلى خواء ما بات يعتبره خصما، وفي المقابل استهلاك الفرد لعناصر القوة، وهوانه على النظام، إلى الدرجة التي لم يعد لديه ما يعطيه، بحيث يصعب دفع الطغيان إلا بالثورة عليه.
ولما تغيب المرجعيات الضابطة للعلاقة، فمن الطبيعي أن ينفلت النظام، ويتحرر من أية قيود، بحيث تتعمق النتائج الكارثية في صورة ضعف لقوة الدولة، التي تبدأ بالاستجابة للمطامع، وانقلاب في السياسات، بما يتواءم مع المصالح والأهواء، على حساب كل فضيلة وقيمة، بما في ذلك الدين والمصير والدماء والأعراض والأموال.
وضعية يمكن ملاحظة تجلياتها في مصر، مثلا، عبر استهداف النظام السياسي والأمني والطائفي لحقوق المسلمين وعقيدتهم
وكرامتهم، وانفلات أمني أدى إلى قتل المواطنين في مراكز الشرطة، وانحدار أخلاقي اعتدي فيه على أعراض النساء في قلب المدن والساحات العامة والشوارع.
في اليمن ضرب الفساد المجتمع والدولة حتى لم تخل منه فئة عمرية. أما في تونس فقد اتجه النظام السياسي إلى صب جام غضبه على الدين والمصلين، فضلا عن استغراقه في النهب المنظم والبطش الأمني اللامحدود. وفي ليبيا اختفت المؤسسات إلا من القذافي وعائلته، الذي اختزل التاريخ والحاضر والمستقبل بشخصه، واحتكر العلم والمعرفة والثقافة والوعظ والإرشاد والثروة، واستخف بأمة كاملة، وفرض عليها التجهيل فرضا. أما في سوريا فقد انتصب النظام قائدا للدولة والمجتمع، مستعملا أعتى منظومة أمنية دموية،
(1) ثمة نظرية اجتماعية لعالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون تعرف باسم «الفردوية المنهجية = individualism» ترى أن الأفراد هم أصل الظاهرة الاجتماعية. وتقول النظرية: «إن تفسير ظاهرة معينة يعني وجوب الأخذ ينظر الاعتبار أنها دائما نتيجة للأفعال الفردية، وأن هذه الأفعال هي المواقف والآراء والسلوكات» .