الثابت أن الثورات استوطنت في العقل العربي كثقافة لا محيد عنها قبل أن تؤتي ثمارها. وقد يبدو طريفا ملاحظة التناقضات العجيبة في مستوى الخطاب الإعلامي العربي، أو في مستوى الخطاب الشرعي، أو في مستوى خطاب القوى السياسية، أو في مستوى حتى خطاب الشارع. فقد صارت مصطلحات التيار الجهادي العالمي مثل: «الطغيان، الطاغوت، الطاغية، الاستبداد، الحاكم المستبد، ... » ، حاضرة في المستوى الإعلامي. وهي ذات المصطلحات التي كانت محرمة الذكر إلى حين. والعجيب أنها تُستعمَل اليوم، في عصر الثورات، في مستوى الخطاب الشرعي، من قبل علماء، لطالما وصفوا من يرددها بـ «الغلو» و «الإرهاب» و «الخروج على ولي الأمر» . بل أن نفس الخطاب صدر عن القوى السياسية والشعبية، وأكثر من ذلك أن بعض العلماء حرّضوا الشعوب على قتل بعض الزعماء العرب كما فعل الشيخ يوسف القرضاوي في تحريضه الصريح على قتل العقيد معمر القذافي.
لكن أغرب ما في الخطاب هو ذاك التناقض الذي يكشف عن ازدواجية شرعية وقيمية في التعامل مع الحاكم. وبعيدا عن علاقة الخصومة بين القوى التقليدية وجماعات «التيار الجهادي العالمي» ، إلا أن الكثير من المستويات التي تجيز طلب «الحماية الدولية» أو «الاستعانة بالقوى الأجنبية» ، وعلى رأسها حلف «الناتو» ، ما زالت تصر على وصف المجاهدين بـ «التطرف» و «القتل» و «استحلال الدماء المعصومة» ، وتجهد في التبرؤ منهم، وإثبات حسن نواياها تجاه الغرب. فكيف يكون قتال هذه القوى أو المستويات المختلفة لحكام سوريا وليبيا واليمن مشروعا؟ بينما يكون قتال القوى الجهادية لذات الحكومات أو للحكومة العراقية أو الصومالية وغيرها «إرهابا» و «خروجا على ولي الأمر» ، أو خطرا مدمرا على الدولة والمجتمع؟ وكيف يكون قتال النظم لشعوبها وسفك دمائهم «جهادا» بينما قتال «القاعدة» لها ولـ «المركز» «كفرا» و «إرهابا» ؟ وما هو الوجه الشرعي أو الخطورة إذا كان الهدف هو الإطاحة بـ «طاغية مستبد» ؟
فقد خاض الليبيون حربا طاحنة مع «كتائب القذافي» تحت غطاء جوي من حلف «الناتو» ، ولم يصفهم أحد بـ «الإرهابيين» . وخاض الشيخ صادق الأحمر، في صنعاء اليمن، حربا مماثلة ضد قوات الرئيس علي عبد الله صالح، ذهب ضحيتها مئات القتلى والجرحى، ومثلت تحديا للنظام، حظي بموجبه الشيخ الأحمر على الثناء والإعجاب. لكن حين قاتلت «القاعدة» النظام اتهمت بـ «التطرف» و «الإرهاب» ، حتى أن الكثير من القوى السياسية والأبواق الإعلامية رأى في نشاطها وجماعة «أنصار الشريعة» ، في محافظات أبين وحضرموت وزنجبار، فرصة ثمينة لتقديم براءة ذمة لـ «المركز» ، عبر رواية مغرضة اتهمت الرئيس اليمني بإرخاء قبضته على مناطق الجنوب، وصولا إلى اتهامه بـ «التحالف مع القاعدة» ، من أجل إقناع «المركز» بالبقاء في السلطة!!! وكأن «المركز» غافلا عن هوية «القاعدة» وأطروحاتها ومواقفها منه ومن النظم!!!
بطبيعة الحال لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، لأن المسألة أبعد ما تكون عن «القاعدة» أصلا. فالقوى إياها، وكذا المستويات الخطابية، ذهبت لما هو أعمق، في كشف الصورة، حين حرصت كل الحرص على التبرؤ من كل ما يمت لـ «السلفية» [1] ، أو «الدولة الإسلامية» ، أو «تطبيق الشريعة» بأية صلة تذكر [2] ، وجهدت في تجنب كل ما تظن أنه يثير «المركز» ، خاصة إذا
ما تعلق الأمر بالإسلام، كشريعة ومنهج حياة، مقابل التأكيد على صيغة «الدولة المدنية الديمقراطية» و «الإسلام الوسطي» [3] ،
(1) بعد اندلاع الثورة السورية واتهامات النظام بوقوف عناصر سلفية مندسة بين صفوف المحتجين صارت السلفية موضع تبرؤ إما بدعوى التشدد و التطرف وإما بدعوى الإرهاب.
(2) يستثنى من هذا بالنشاطات التي قامت بها القوى الإسلامية في مصر على خلفية الدعوات اللبرالية المناهضة للمادة الثانية من الدستور المصري التي تعتبر الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع أو وثيقة المبادئ الحاكمة للدستور التي أعلن عنها نائب رئيس الحكومة علي السلمي.
(3) «الإسلام الوسطي» تعبير سياسي لا يمت للشريعة بصلة. أما الذين يتحدثون عنه أو عما يسمى بـ «الإسلام المعتدل» فيستندون إلى الآية
الكريمة التي تقول: {َكَذَ الِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً? وَسَطً?ا} (البقرة: 143) ، ويوظفونها في خدمة أطروحة سياسية صرفة، ويستعملونها، في أحسن الأحوال، في سياقات براغماتية للهروب من ضغوط «المركز» . والحقيقة أن التعبير لم يرد في القرآن الكريم، لا رسما ولا موضوعا. والواضح أن القرآن الكريم قرن «الأمة» بـ «الوسطية» ، وتحدث بصريح القول عن «أمة وسطا» ، بالمقارنة مع أمم كفرت أو غلت في دينها أو فرطت فيه، ولم يقرن «الإسلام» بـ «الوسطية» ، أو يتحدث عن «إسلام وسط» بالمقارنة مع «إسلام متطرف» أو «إسلام علماني» أو «يساري» أو «حداثي» أو «شرقي» أو «غربي» .