يحدث هذا، بالرغم من كون إيران، التي انتزعت سنيتها، قبل نحو خمسة قرون، وأجبرت، بالقوة، على التشيع في العهد «الصفوي» ، تستعمل «المذهب الجعفري» ، فقط، كآلية لاختراقٍ، ليس له من هدف إلا بعث الحضارة الفارسية، والانتقام من المسلمين العرب، بالذات، لكونهم يتحملون المسؤولية الأولى في هدم الإمبراطورية الفارسية تاريخيا.
وكذا الأمر يحدث في مصر. لكن المشكلة لا تكمن في قوة «الكنيسة الأرثوذكسية» [1] التي تهدد الدولة وتبتزها بل في «قواعد النظام» البائد، من القوى «اللبرالية» و «العلمانية» و «اليسارية» ، التي تمتلك أو تهيمن على وسائل الإعلام والقوة وأدواتها، وتستوطن في مراكز القوى التاريخية والحيوية في الدولة. ولولا هذه القوى الحليفة لما شكلت الكنيسة أية مخاطر تذكر على البلاد، ولما تجرأت على المساس بالدين الإسلامي أو تهديد الأمن السياسي والاجتماعي للبلاد.
غير أن خطورة «المشروع الأرثوذكسي» لا تقع في مستوى تهديد العقيدة، كما هو حال «المشروع الصفوي» ؛ بل في مستوى تهديد الهوية الإسلامية لمصر، عبر الاستقواء بالخارج من جهة وطلب الحماية الدولية، أو عبر بناء الكنائس الضخمة بكثافة، على امتداد الجغرافيا السياسية والاجتماعية لمصر [2] ، بحيث تبدو هوية البلاد معبرة عن كل انتماء إلا أن يكون إسلاميا، ولو في مستوى الشكل. وهي، بلا شك، هوية تذكر بـ «تركيا أتاتورك» ، حيث التبعية التامة للـ «المركز» والهيمنة المطلقة لـ «الصهيونية العالمية» .. ولا شك أيضا أنها وضعية تخدم بالدرجة الأساس مصالح «المركز» ، وتوفر لـ «إسرائيل» بيئة ضعيفة تمكنها من الهيمنة والطغيان، وتعيد لها بعض الأمل في عقود جديدة من الحياة. إذ أن «إسرائيل» تعيش، كما هو حال اليهود تاريخيا، بموجب «عقلية الغيتو» الانعزالية، مما يجعلها، بنيويا، عقلية فاقدة لأسس التعايش الحضاري بين البشر، وعاجزة عن العيش وسط مجتمعات حرة وقوية.
هذه الاختراقات التي أسس لها «المركز» تاريخيا ورعاها يجري تفعيلها كقوى اعتراض شرسة للثورات العربية ومساراتها، عبر توظيفها كأدوات فعالة في (1) الهجوم على العقيدة الإسلامية، كما يحصل خاصة في تونس ومصر، أو (2) الترويج لعلاقات طبيعية وآمنة مع «إسرائيل» .
هكذا يمكن القول أنه لولا «غياب الروادع العقدية» لما استطاعت مثل هذه القوى، الكارهة لكل ما يمت للعروبة والإسلام بصلة، أن تحقق أية اختراقات في الأمة. وما ينبغي الإشارة إليه، في السياق، هو التأكيد على أن «المركز» ، ومعه «إسرائيل» بطبيعة الحال، لم يعد آمنا، خاصة بالنسبة للدول الخليجية التي نسجت علاقات تحالف مصيرية معه. فهو يبحث عن، ويطور، منذ عقود، أدوات جديدة يعزز بها قدراته على السيطرة والتحكم، في منظومات الهيمنة المحلية والدولية. إذ أن «الرأسمالية» ليست سوى فلسفة مادية لا يهمها، بالنهاية، أكثر من حماية مصالحها
إلى هنا؛ لا بد من وجوب الحذر من الدعوات المنادية بالتدخلات العسكرية في الثورات لأي سبب كان، وكذلك من القوى «اللبرالية» و «العلمانية» و «اليسارية» ، والقوى «الطائفية» (الشيعية والأرثوذكسية) ، وإجمالي القوى «التقليدية» السياسية ذات «المنهج البراغماتي» (النفعي) في نسج التحالفات أو صياغة المواقف، وأخيرا من «قواعد النظم» .. كل هؤلاء وغيرهم يشكلون في المحصلة أدوات للثورة المضادة والفتن والحروب الأهلية.
(1) أبرز نقاط الضعف في الكنيسة الأرثوذكسية تقع في صلب تفسيرات البابا شنودة للإنجيل، خاصة حول قضية الزواج المدني. ففي المحاكم ... المصرية ثمة مائتي ألف قضية طلاق مرفوعة من أتباع الكنيسة. ولأن الكنيسة لا تعترف بأحكام القضاء المدني ولا في الزواج الثاني لأتباعها إلا بعلة الزنا، فقد تسبب تعنتها باحتجاجات شديدة وصلت إلى حد التهديد بانسحابات جماعية تاريخية النحو 340 ألف بتغيير ملتهم والانتقال إلى كنائس البروتستانتية أو الكاثوليكية.
(2) إحصائيات ودراسات رقمية حول مساحات الأديرة والكنائس في مصر، 11/ 10/2010، موقع المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير، http://www.tanseerel.com/main/articles.aspx?selected_article_no=12892