الصفحة 29 من 44

العيب في هذه الآراء أنها لم تحسن قراءتها للحدث الثوري. وبالتالي فهي أبعد ما تكون عن التمييز بين الثورة كـ «حدث تاريخي» غير مسبوق وبين «اعتراض الثورات» من قبل «المركز» أو «النظم» بوسائل شتى. وفق هذا التوصيف فإن كل النظم مستهدفة سواء كانت جمهورية أو ملكية أو أميرية أو سلطانية.

ورغم أنه لم يعد، منذ زمن طويل، ثمة فرق بين النظم الملكية والنظم الجمهورية، من حيث الاستئثار في الحكم وحتى توريثه، إلا أن النظم الملكية بدت حتى الآن أقل استهدافا، ليس لأنها فوق المساءلة بقدر ما تتحصن بشرعيات تاريخية ممزوجة بطابع ديني توفر لها بعض الحصانة الشكلية إلى حين، فضلا عن مشكلات دستورية تتعلق في البديل إذا ما تم رفع شعار «إسقاط النظام» . إذ أن هذه المعايير لم تعد ذات شأن لدى الشعوب إذا ما أخذنا بعين الاعتبار محاولات الخلخلة الجارية على قدم وساق في دول مثل الأردن والسعودية والمغرب. أما في البحرين فقد كان للاحتجاجات الشعبية وقعا بالغ الخطورة على النظام، لولا انسحاب السنة منها، بعد انكشاف أهدافها، كاحتجاجات تميزت بنزعة طائفية، تستجيب لأجندات خارجية أكثر مما عبرت عن مطالب محلية.

المهم في الأمر ملاحظة:

· أن النظم الملكية ذاتها، وفي صيغتها القائمة وتاريخيتها، وما يجري في رحابها، لم تعد بمنآى عن الاستهداف؛ ولما تغدو الحصانات المقدسة موضع استهداف اجتماعي، من العامة والخاصة، ومحط مراقبة لدى وسائل الإعلام؛ فمن الأولى التأكيد على أن النظم الجمهورية لم يعد لها أية حصانة تذكر، بما فيها تلك التي لم تتعرض بعد لاحتجاجات شعبية شاملة.

· وأن مطالبة المحتجين بـ «الملكية الدستورية» تستهدف، بالدرجة الأساس، تجريد «الإرادة الملكية» من امتيازاتها وحصاناتها ووضعها قيد المراقبة الدستورية. وهو مطلب يساوي في المحصلة شعار «إرحل» ، الذي يمثل المرحلة الأولى من الثورات العربية. أو بمعنى آخر الاجتهاد في تأمين انتقال «الإرادة الملكية» إلى «الإرادة الشعبية» معبرًا عنها بالدستور.

كشفت الثورات عن علاقة النظم السياسية والكثير من الشخصيات العربية بـ «إسرائيل» ، والنظر إليها كأحد خطوط الدفاع عنها في الأزمات الكبرى. ورغم أن التقارير والوثائق والأنباء تحدثت طويلا عن مثل هذه العلاقات فيما مضى إلا أنها لم تكن لتجد آذانا صاغية وسط صخب الأيديولوجيات التي مثلت مرجعيات تتحكم بتوجيه المواقف وتبرير الأحداث بما يحافظ على الولاءات من الاهتزازات. لذا فإن أغلب العلاقات واللقاءات التي تم الكشف عنها بين مسؤولين عرب على أعلى المستويات غالبا ما جرى التعامل إما بطريقة استفزازية عبر المجاهرة بها أو التجاهل أو الاستخفاف بعقول الناس أو التعتيم عليها أو بحسب ما تقتضيه الحاجة.

وبعد انطلاقة الثورات وتهديدها للنظم العربية فوجئ الكثير من المراقبين بوثائق وتقارير وتصريحات مدهشة لمسؤولين عرب نسجوا علاقات أمنية مع دوائر استخبارية أمريكية و «إسرائيلية» وأوروبية للتجسس على شعوبهم وبعضهم [1] ، وآخرين من المفترض أنهم يتربعون على نظم أبت أن تقدم نفسها تاريخيا إلا بوصفها نظما ثورية معادية للامبريالية والصهيونية العالمية، ومناصرة وداعمة للمقاومة والحرية والوحدة العربية، وقسم ثالث من الشخصيات والأحزاب والتيارات اليسارية خاصة تسلقوا على الثورات ونصّبوا أنفسهم حماة لـ «إسرائيل» و «حداثيين» !!!

(1) لا يمكن قراءة برنامج «سقوط دولة الفساد» الذي أنتجه وبثه التفزيون التونسي بعد الثورة (19/ 4/2011) ، وما تضمنه من علاقات وخدمات أمنية قدمها الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي لجهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد» إلا كإدانة وثائقية وشعبية دامغة على خيانة الرئيس للشعب والأمة والدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت