الصفحة 30 من 44

لكن أطرف ما في هذا السياق أن تفضح النظم الراديكالية نفسها وهي تعبر عن قلقلها على أمن «إسرائيل» إذا ما أطاحت الثورات بعروشها. هذا ما جاء على لسان العقيد الليبي معمر القذافي، ورامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، والشخصية الأكثر كرها وبغضا في سوريا، وقوى يسارية في تونس كحركة التجديد وممثلات النساء الديمقراطيات، فضلا عن شخصيات أكاديمية يتقدمها محمد عربي شويخة وعبد الحميد الأرقش، وفي مصر حيث القائمة الطويلة يتصدرها حسين سالم ويوسف بطرس غالي.

فبعد ثلاثة أسابيع على انطلاقة الثورة الليبية (17/ 2/2011) أدلى العقيد معمر القذافي بتصريح مثير قال فيه: «إذا نجحت القاعدة في الاستيلاء على ليبيا فإن المنطقة بأسرها حتى إسرائيل ستقع فريسة للفوضى» ، مشيرا إلى أن: «انهيار الاستقرار في ليبيا سينعكس على أوروبا وعلى الشرق الأوسط وما يسمّى إسرائيل» ، ومؤكدا أن: «ليبيا هي صمام الأمان للاستقرار في البحر المتوسط» [1] .

وفي مقابلة مع صحيفة أميركية [2] قال رامي مخلوف بصريح العبارة: «إذا لم يكن استقرار هنا في سوريا فمن المستحيل أن يكون هناك استقرار في إسرائيل. ولا توجد طريقة ولا يوجد أحد ليضمن ما الذي سيحصل بعد، إذا لا سمح الله حصل أي شيء لهذا النظام» .

وفي 5/ 6/2011 تناقلت المواقع التونسية والصحف الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي معلومات بالغة الخطورة تقول، مع بعض التصرف في البيان اللغوي،:

«منذ شهر تقريبا، وخلال إحدى الجلسات التي تعقدها الهيئة لمناقشة مسودة العقد الجمهوري، اقترح أحد الأطراف المشاركة في الاجتماع أن يقع التنصيص في ديباجة العقد على بند يقول أن تونس ترفض التطبيع مع إسرائيل ما دامت فلسطين محتلة. فإذا بـ حوالي 40 عضوا من أعضاء الهيئة يرفضون مناقشة الأمر من أساسه بدعوى ابتعاد الاقتراح عن موضوع الجلسة، ثم ينضم إليهم رئيس الجلسة عياض بن عاشور ليحذف النقطة من جدول النقاش، ويطلب من العضو الذي أثار النقطة عدم تناول الموضوع في الإعلام والصحافة. وعند فحص أسماء الرافضين للنقاش تبرز أسماء:

· أعضاء التجديد الذين لم ينسوا أن حزبهم تأسس في 1920 على أيدي يهود تونسيين كانوا يرفضون حتى سنة 1944 مبدأ استقلال تونس عن فرنسا بدعوى رفض الشوفينية؛

· ممثلات النساء الديمقراطيات اللواتي أرسلن وفدا إلى زوريخ (بشرى بن حميدة) لطلب التمويل لأنشطتهن ضد الأصولية يضاف إليهن مثقفون وسياسيون قريبون من التجمع الدستوري الحاكم؛

· بارونات المال، وأكاديميون في مقدمتهم محمد عربي شويخة الذي اختير باللجنة المركزية المستقلة للانتخابات، وهو أستاذ بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، سبق له أن زار إسرائيل وألقى محاضرة في جامعة بار إيلان بتل أبيب في شهر ديسمبر سنة 1999، وكذا عبد الحميد الأرقش، الذي رافق شويخة في زيارته للكيان الصهيوني».

تفاعلات مسألة التطبيع مع «إسرائيل» ، لدى حركة التجديد، لم تتوقف عند هذا الخبر. إذ بلغت الجرأة حدا دفع الحبيب القزدغلي، أحد أعضاء الحركة، وأستاذ التاريخ المختص في المسألة اليهودية، إلى الإدلاء بتصريحات استفزازية نشرتها صحيفة الصباح التونسية (14/ 6/2011) جاء فيها:

«إن اللجنة المنبثقة عن الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، المكلفة بصياغة العقد الجمهوري، حسمت أمرها في هذه المسألة. وأكد أن مناهضة الصهيونية ليست من ثوابت الشعب التونسي بل هي مسألة بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهم يتفاوضون من أجل حلها» [3] .

(1) القذافي يؤكد للتفزيون التركي، «تي آر تي» ، أن الفوضى ستعم المنطقة بأسرها بما فيها إسرائيل، 9/ 3/2011، قناة الحرة، http://www.alhurra.com/NewsArticleDetails.aspx?ID=8053810 .

(2) مخلوف: استقرار إسرائيل مرتبط بسوريا، 10/ 5/2011، موقع الجزيرة نت: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/E 30 B 337 B-3891 - 4956 - 9 D 97 - DF 9455 E 6386 E.htm. نقلا عن: «نيويورك تايمز 9/ 5 /2011» .

(3) من الطريف أن مثل هذه التصريحات تتقاطع إلى حد كبير مع تصريحات لاحقة (3/ 12/2011) أدلى بها زعيم حزب النهضة التونسي، راشد الغنوشي، في سلسلة لقاءاته، أواخر شهر نوفمبر / تشرين الثاني، مع مراكز الأبحاث الأمريكية، القريبة من اللوبي الصهيوني ومراكز صنع القرار الأمريكي، مثل: معهد «بروكنغز» و «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني» . وإن صدقت التصريحات، كما نقلتها بعض وسائل الإعلام، فمن الواضح أن إجابات الغنوشي تبدو متناقضة. لكنها في الشكل والمضمون براغماتية لأبعد الحدود، لاسيما وأنها حرصت على إرضاء الجميع بمن فيهم «إسرائيل» . فهي، من جهة أولى، تلتزم بخطاب مؤيد لحركة «حماس» : «لا يمكن نكران أنه تم انتخاب حركة حماس ديمقراطيًا، ولهذا هي حكومة شرعية» ، ولا تلتزم بـ «حل الدولتين للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي» . ومن جهة ثانية تقدم التصريحات خطابا حركيا معاديا لـ «إسرائيل» ، من حيث المبدأ، لكنه في الواقع خطاب انعزالي، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حين يقول بأن: «حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يعود إلى الطرفين، مضيفًا ... أنا مهتم بتونس. لدي نموذج وتجربة أريدها أن تنجح، فيما الآخرون مهتمون بفلسطين وليبيا. الكل مهتم بمصلحته الخاصة ومصلحتي هي تونس» . ومن جهة ثالثة، ثمة خطاب استلهم حرفيا مما أثير حول ديباجة «العقد الجمهوري» الذي رفض رموز اليسار فيه إضافة أي بند يناهض «إسرائيل» ، أو منع التطبيع معها، أو حتى الاعتراف بها كعدو: «لا يوجد في الدستور التونسي اسم لأي دولة غير تونس .. ولا وجود لأي بند في الدستور الجديد يحظر إقامة علاقات مع إسرائيل» !!! راجع وكالة القدس للأنباء: «الغنوشي: حماس حكومة شرعية ... لكن ما يهمني هو تونس» . http://www.alqudsnews.net/news/index.php?option=com

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت