• فجاءت ثورة الخميني في إيران سنة 1979 كي تسد هذه الثغرة ابتداء من شعارات «الشيطان الأكبر» ، مرورا بشعارات «المقاومة» و «الممانعة» ، وانتهاء ببعث الحضارة الفارسية على أنقاض العالم الإسلامي. ورغم كل المؤشرات الدالة على «صفوية» المشروع الإيراني، وأدواته الضاربة، وتحالفاته الصريحة مع «المركز» ، في إسقاط الدول الإسلامية السنية، إلا أن إيران «الصفوية» حققت اختراقات سياسية وأمنية ملحوظة، وأخرى أشد خطورة في مستوى العقيدة، وفي عقر ديار أهل السنة [1] .
• وفي السياق لا يمكن غض الطرف عن أدوات أخرى يستعملها «المركز» في اختراق الأمة، من الداخل، عبر القوى الطائفية أو الإثنية، كما حصل في السودان الذي انفصل جنوبه المسيحي في دولة مستقلة (2011) ، أو في مصر حيث تنشط «الكنيسة الأرثوذكسية» المصرية، بالتحالف مع القوى اللبرالية والعلمانية واليسارية، في إنكار عروبة مصر، والسعي إلى تجريدها من أي محتوى إسلامي، أو على الأقل تقسيمها.
وحدها «القاعدة» ، ومعها جماعات التيار الجهادي العالمي، من «خرج» على «المركز» ، وتجرأ عليه في عقر داره، ورفض هيمنته، ونفذ تهديداته، في سلسلة من الهجمات المدمرة في 11 سبتمبر 2001، لم تكن أهدافها إلا رموزا للقوة، بحيث يكون لـ «الخروج» صداه العالمي [2] . هذا التجرُّؤ من «القاعدة» على ضرب «المركز» عجلت في الكشف، علانية وصراحة، عن السياسات العدائية للعالم الإسلامي، وأخرجتها في صورة «فوبيا إسلامية» ، وهجمات مسلحة، وأخرى أمنية، وثالثة اقتصادية، في سلسلة من التدابير العدوانية لم تتوقف عند حدود معينة إلى يومنا هذا. بمعنى أن المشكلة مع «المركز» ليست مشكلة «قاعدة» ، ولا حركات «تحرر وطني» ، أو جماعات «تطرف» و «إرهاب» ، كما يرى، ولا هذا أو ذاك .. بل مشكلة «هيمنة» يجب أن تستمر، ضد كل محاولات «الانعتاق» ، مهما اختلفت أشكالها وأدواتها ووسائلها.
منذ الحرب الخليجية الثانية (28 آب 1990 إلى 28 فبراير 1991) وانهيار الاتحاد السوفياتي (1991) ، ومن ورائه المنظومة الاشتراكية، قدمت «الرأسمالية» نفسها عبر أطروحتين، إحداهما للمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما عبر كتابه الشهير: «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» [3] ، وفيه بدت «الرأسمالية» كأرقى ما وصل إليه الإنسان من نمط للحياة أو سبيلا للتقدم، وأنْ لا بديل للبشرية عن تبني «الرأسمالية» وقيمها. أما مواطنه صموئيل هنتنغتون صاحب: «صدام الحضارات» !! فبدا، ظاهريا، على
(1) لاحظ مثلا بعض الفتاوى التي تجيز لأهل السنة التعبد بالمذهب الشيعي، كما ورد على لسان محمد مهدي عاكف، المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، الذي دافع عن حق إيران الحق في نشر مذهبها بين أهل السنة، باعتبارها: «الدولة الشيعية الوحيدة من بين 56 دولة إسلامية سنية المذهب، أنظر: «عاكف لـ"النهار": لا مانع من المد الشيعي .. فعندنا 56 دولة سنية» ، 24/ 12/2008، صحيفة النهار الكويتية، http://www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx?id=113158 ، وكذا المفتي علي جمعة: مفتي مصر: الشيعة طائفة متطورة ولا حرج من التعبد على مذاهبها، 4/ 2/2009، http://www.alarabiya.net/articles/2009/02/04/65714.html. ، فضلا عن التحالفات الصريحة لـ «الصوفية العزمية» مع إيران، ودفاعها المستميت عن العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وأكثر من ذلك استعداد شيخ الطريقة، علاء ماضي أبو العزائم، لفتح باب الجهاد للدفاع عن إيران!!! وهي ذات الطريقة التي عبرت عن تحالفات استراتيجية مع القوى العلمانية واللبرالية في مصر ضد التيارات الإسلامية لاسيما السلفية منها. راجع: «أبو العزائم: سأدعو إلى الجهاد حال توجيه ضربة عسكرية إلى طهران» ، موقع «الدستور الأصلي» ، 8/ 11/2011، http://www.dostor.org/node/60770
(2) صراع «المركز» و «الهامش» ، مرجع سابق.
(3) تراجع فوكوياما عن أطروحته لاحقا في مقالة بعنوان: «هدفهم العالم المعاصر» ، 25 ديسمبر 2001، مجلة نيوزويك 25 ديسمبر 2001)، الطبعة العربية/ عدد 81. وقال فيها: «قبل 10 سنوات جادلت بأننا بلغنا"نهاية التاريخ"ولم أعلن بذلك أن الأحداث التاريخية قد تتوقف =
= لكن ما عنيته هو أن التاريخ الذي يفهم على أنه تطور المجتمعات الإنسانية من خلال أشكال مختلفة من الحكومات قد بلغ ذروته في الديمقراطية الليبرالية المعاصرة ورأسمالية اقتصاد السوق».