الصفحة 9 من 44

النقيض منه، وهو يتنبأ بحتمية الصدام بين الحضارات الإنسانية. والحقيقة أن الأطروحتين شجعتا «الرأسمالية» على كشف توحشها ضد الأمم الأخرى، وفتحتا الباب للولايات المتحدة كي تستفرد بقيادة العالم بدلا من إعادة النظر فيها كي لا تسقط كما سقطت «النظرية الاشتراكية» من قبلها. والأسوأ من هذا أن «المركز» لم يجد، غداة انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، عدوا له، يسد الفراغ، إلا ما أسماه أحد قادة «الناتو» ، وكثير من قيادات ومثقفي الغرب بـ «الإسلام الأصولي» .

لم يطل الوقت كثيرا، حتى تعرضت «الرأسمالية» ، في 11 سبتمبر 2001، إلى ضربات مهينة في عقر دارها، وضد أعتى رموز القوة فيها، وفي العالم. وبعيدا عن جدل المواقف من الهجمات، إلا أنها أظهرت حقيقة العداء الغربي للإسلام، في صورة دعوات صريحة، لقادة غربيين ومفكرين، في مقدمتهم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، تنادي بشن «حرب صليبية» على العالم الإسلامي، بموجب لغة «رقمية» ، لا تسمح بالتفكير في أدنى اختيار آخر،: «إما معنا أو ضدنا» .. عبارة لا قِبَلَ لتنظيم «القاعدة» في الرد عليها إلا بذات اللغة التي قسمت العالم إلى قسمين: «فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان» ، كما ورد على لسان

الشيخ أسامة بن لادن في أول خطاب له بعد الهجمات [1] .

هذه «الحرب الصليبية» جرى الإعلان عنها باسم «الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب» . أما مدخلاتها، وفقا لعبارة بوش، فتمثلت بـ: الزج بالجيوش العسكرية والأمنية المتوحشة فيها، وتوقيع المعاهدات، وسن منظومات القوانين الدولية والمحلية، وحشد الأدوات الطائفية (النصرانية والصفوية) ، والجماعات والأحزاب، وعلماء الدين، ومراكز الأبحاث والجامعات، ووسائل الإعلام والنشر، وحتى الأفراد والشخصيات العلمية، والترحيب بكل من يتطوع للتحالف مع «المركز» .

أما مدخلاتها لدى «القاعدة» و «طالبان» ومعهما جماعات «التيار الجهادي العالمي» فتمثلت بـ: التحصن بالأطروحة العقدية كمرجعية وحيدة للعمل، والنظر في شرعية الرايات الأيديولوجية، سواء للقوى الإسلامية أو الوطنية، وبدء المنازلة ضد «قوى الكفر العالمي» وحلفائها من «طواغيت العرب والعجم» ، وشن المزيد من الهجمات على أراضيها، لاسيما تلك التي شاركت في احتلال أفغانستان والعراق، والتهيؤ لمواجهة قوى «المركز» في البلاد الإسلامية، وإشاعة ثقافة جهادية مؤصلة عقديا، لاقت جاذبية شعبية ملحوظة، وشن حملات إعلامية، ذات تأصيل عقدي، للكشف عن حقائق الصراع بين «المركز» والعالم الإسلامي، والحرص على استنزاف «المركز» اقتصاديا، عبر فتح جبهات أخرى أو إطلاق التهديدات المكلفة أمنيا.

هذه التحالفات «الصليبية» المتصارعة فيما بينها؛ تسببت في النصف الأول من القرن العشرين، فقط، بمقتل عشرات الملايين من مواطنيها خاصةً، ومن البشر عامةً، واستعملت أفتك سبائك الأسلحة ضد الإنسان. وفي النصف الثاني من القرن، زمن الحرب الباردة، كانت على وشك صدام نووي يهدد البشرية برمتها. لكنها فجأة توافقت على «القاعدة» و «طالبان» بوصفها العدويين الاستراتيجيين!!! فهل يعقل أن تأتلف كل هذه التحالفات الجبارة، بكل ما أوتيت من قوة تدميرية واقتصادية وأمنية وعلمية، ضد جماعة مقاتلة؟

من المفترض أن يكون الجواب «نعم» ؛ إذا اعتبرنا أن الإسلام هو قوة كامنة يمكن تفعيلها بحيث يستحق عن جدارة واقتدار صفة الخصم بالنسبة للقوى الكبرى. لكن هذه القوى لم تحسن القراءة التاريخية لقوة العقيدة الإسلامية إذا ما جرى تفعيلها في مواجهة العدو، أو لتكون بديلا عن الفلسفات السائدة كـ «الرأسمالية» و «الاشتراكية» وغيرها. لذا كانت المفاجأ مذهلة في أفغانستان والعراق، والتكلفة باهظة للغاية، ومؤشرات المأزق تنذر بانهيار كارثي للولايات المتحدة [2] .

(1) الشيخ أسامة بن لادن، «خطاب القسم» ، شريط مرئي، مؤسسة «السحاب» التابعة لتنظيم «القاعدة» ،. 7/ 10/2001.

(2) عامر عبد المنعم: 22 دليلا علي الإنهيار الوشيك للولايات المتحدة الأمريكية، 19/ 10/2010. العرب نيوز: ... =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت