وزيادة عليها «دعم قيم الحداثة» [1] ، والاستعانة بـ «المجتمع الدولي» ومنظماته ومؤسساته الحقوقية والإنسانية، وصولا إلى المؤسسات الحربية الكبرى كحلف «الناتو» . وغني عن البيان ملاحظة أن مثل هذه المواقف أبعد ما تكون عن حسم الموقف مع «المركز» ، فضلا عن طلب نجدته، إلى الحد الذي يمنحه حقوقا جديدة في «الوصاية» على أمة تبدو كمن «تعترف مجددا» بأنها عاجزة عن إنجاز حريتها بنفسها دون تلقي العون من الخارج!!!
لعل التفسير الذي نرجحه لمثل هذه الأطروحات يحتمل قدرا كبيرا من الصحة إذا اعتبرنا أن «حاجز الخوف» لم ينكسر بعد، كما سبق وأشرنا، وأن الأمة لم تتهيأ بعد لخوض منازلتها ضد «المركز» ، أو تصفية حساباتها معه. إذ ما زالت الثورات في المرحلة الأولى، فضلا عن أن الغالبية الساحقة من الشعوب والدول العربية لمّا تزل، فعليا، خارج وقائع الحدث. كما أن الدول الثلاث (تونس، مصر وليبيا) بالكاد ولجت المرحلة الثانية. ولأن الأطروحات لم تنضج بعد، لاسيما وأن النظم الثلاث ما زالت تحتفظ بقواعدها التاريخية؛ فمن السابق لأوانه توقع رؤية الخطاب وهو يتحول من «إرحل» أو «إسقاط النظام» إلى «إسقاط الهيمنة» دفعة واحدة. وتبعا لذلك، ودون أن يعني هذا الوقوع في فخ التقييمات المغرضة، عبر مصطلحات «الفوضى الخلاقة» وما شابهها مما يروج له الروس خاصة، فإن الثورات العربية ما زالت وقائعها تجري في فلك الهيمنة، وليس من المحتمل أن تخرج منه دون أن تضع بعين الاعتبار التخلص من «قواعد النظام» بكل تشكيلاته وأدواته ووسائله السابقة [2] .
ثمة تساؤل في وقائع الثورات، يبعث على القلق، لدى الكثير من الناس والقوى الحية، يقول: كيف يمكن للثورات أن تنتصر على النظم أو تتغلب على محاولات الالتفاف عليها؟ أو تصل إلى المرحلة الثالثة؟ أو ما هي ضمانات استمرار الحدث الثوري وإنجاز ما ينتظره من مهمات؟
في أول مواجهة شعبية جدية مع النظم السياسية انكشفت كل الأوراق دفعة واحدة. فقد كانت المفاجأة مذهلة ومرعبة، على مشهد الدبابات والطائرات والقناصة والأمن والمدافع الرشاشة، وهي تجوب الشوارع والساحات في المدن والقرى والنجوع، تحصد الأرواح، وتدمر البيوت، وتفتك بالحجر والشجر، والنبات والحيوان، وكأن الأمة تتعرض لغزو خارجي!!! بينما المألوف، تاريخيا
(1) أكثر النماذج وضوحا في خطابها تلك التي عبر عنها راشد الغنوشي في سلسلة من التصريحات عقب عودته من منفاه في بريطانيا إلى تونس بعد سقوط الرئيس زين العابدين بن علي. مثلا: «مستلهما النموذج التركي: الغنوشي يتعهد بدعم قيم الحداثة ففي مقابلة مع وكالة «رويترز» للأنباء في مكتبه بالعاصمة تونس: «تعهد بتعزيز الديمقراطية ودعم حقوق وتحرر المرأة التي بدأتها تونس في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة مؤكدا أن الحركة لن تتراجع عن دعمها لهذه القيم. وشدد الزعيم الإسلامي على أن حزبه مع حرية المرأة في أن تقرر ما تلبسه وتختار شريكها في الزواج ولا تجبر على أي شيء» http://www.aljazeera.net/NR/exeres/45 F 86 C 67 - A 2 AA-4 A 2 A-A 78 C-9863354 DE 84 C.htm 3/10/2011.
(2) من الظلم مقارنة الثورات العربية بالثورة البلشفية أو الصينية أو الفرنسية أو الإيرانية التي نجحت في هدم النظم التقليدية بالكامل. إذ أن مثل هذه الدول لم تكن صنائع هيمنة دولية ولا هي تابعة لمراكز قوى عالمية كما هو حال الدول العربية الخاضعة للمراقبة والنفوذ التام. وبالتالي فالمهمات والظروف تختلف من دولة إلى دولة ومن حال إلى حال. ومع ذلك فليس كل الثورات نجحت منذ المحاولة الأولى.