ولأكثر من سبب، أن تتصارع الدول والقبائل أو الطوائف أو الأعراق أو الجماعات أو الأحزاب أو القوى فيما بينها، لكن ما من سبب يبرر لحاكم أن يعلن حربا ضارية، على شعب من المفترض أن يحكمه ويسوسه، لا أن يقاتله ويقتله. فهل من تفسير لهذا السلوك الغريب؟
إذا انطلقنا من الجانب الشرعي فما يجري في العالم يقع في إطار «سنة التدافع» بين الناس. أما على مستوى العالم العربي
فإن الأمة، وفق الحديث النبوي الشريف [1] ، الذي يبشر بعودة الخلافة، ربما تكون واقعة في إطار «الملك الجبري» . إذ أن مؤشرات هذا النوع من الحكم قوية، إذا ما أمعنا النظر في متن الحديث.
· فالمسلمون سبق لهم وخبروا نظام «الخلافة» كما خبروا نظام «الملك العاض» ، لكن المؤشرات على أنهم بصدد «الحكم الجبري» يمكن الاستدلال عليها بقوة في نمط الحكم الذي لا يمكن رده إلى «الخلافة» أو «العاض» باعتبارهما نظامين سابقين.
· ولا يختلفن أحد على أن الحكم القائم هو حكم استبدادي شامل، وأمني صرف، ومفروض بقوة السلاح. والخروج عليه كان عاما، وبلا حاجة لأية أيديولوجيات أو فلسفات، أما النظام فقدم معادلته الصريحة في أول اختبار صارم له: «الحكم أو الحرب» !! لكن بأية مشروعية يمكن تبرير الحكم القائم ومعادلاته بغير «الجبر» ؟ وضد مَنْ تكون الحرب إذا كان العدو هو «العامة» من الناس؟
· وإذا التزمنا بـ «حديث الخلافة» فمن جهة لا يمكن إدراج الدعوات المطالبة بـ «الحماية الدولية» أو «الدولة المدنية» أو «الديمقراطية» في سياق «الخلافة» ، أو في سياق «الملك العاض» . كما أنها دعوات لا يمكن أن تكون واقعة في نطاق «الحكم الجبري» حيث الاستبداد والطغيان من أسس النظام القائم!!! لكنها من جهة أخرى تشترك مع «الحكم الجبري» في عدم الحكم بالشريعة، وهذا مؤشر على أن الأمة ربما تكون واقعة في فترة انتقالية بين «جبر» اليوم و «خلافة» الغد.
· وإذا تأملنا الثورات العربية، والاحتجاجات العالمية، في أرجاء الكرة الأرضية، سنجدها تمتاز عما سبقها من احتجاجات بـ (1) العمومية، و (2) غياب الأيديولوجيات والقوى التقليدية المحركة لها، و (3) وطغيان الفساد. وهذا يعني أن الناس .. كل الناس ولي جزء منهم .. صاروا يجتمعون على المعيش اليومي والحق في الحياة، في مواجهة الفلسفات الطاغية وما خلفته من حروب وانقسامات وظلم أوصل البشرية إلى طريق مسدود، لم يعد ثمة مخرج منه إلا أن يأتي الله {بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} (المائدة: 52) ،. فهل يمكن لمثل هذه الصراعات أن تصنف خارج سياق «سنة التدافع» الربانية؟
تساؤل نطرحه بغرض التأمل. فالناس خرجوا بمبادرة منهم في شتى أرجاء الأرض، وبدافع من احتياجاتهم وحقوقهم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ولنفس الأهداف!!! أما «سنة التدافع» فتخص (1) كل البشر وليس جزء منهم، بدليل قوله تعالى: َ {ولَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَاكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: 250 َ) ، {ولَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَ امِعُ وَبِيَعٌ? وَصَلَوَ اتٌ? وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً?ا} (الحج: 40) ، كما (2) أن الله، سبحانه وتعالى، جرد هذا التدافع من أية سلطة. وبالتالي فلن يكون بمقدور القوى والتشكيلات الرسمية والتقليدية، وحتى قوى الهيمنة والاستبداد، توجيه الناس أو التحكم بحركتهم أو إجبارهم على الخروج أو العودة إلى منازلهم. ولأنها «سنة» لا تقبل بالمنظومات المهيمنة؛ فمن الطبيعي أن تكون مهمتها تحطيم ما بدا بالنسبة لرموز الطغيان والاستبداد ثوابت راسخة، بحيث (1) تنتفي منصات
(1) في الحديث النبوي عن الخلافة، روى حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» .