ولو تأملنا قليلا في رحاب «سايكس - بيكو» لتأكد لنا أن أحد أكبر الطوام التي حلت بالأمة كانت من نصيب الدين. فمن جهة أولى منعت الأمة من أن تُحكم بشريعتها، تحت طائلة التدخل العسكري المباشر، سواء من منظومة «المركز» ، كما حصل في أفغانستان والصومال، أو من منظومة «الاستبداد المحلي» ، كما حصل في الجزائر والسودان، أو من القوى الحليفة لهما، سواء كانت لبرالية وعلمانية، أو حتى إسلامية وجهادية، كما حصل في العراق والصومال أيضا!!
ومن جهة ثانية فقد لجأ الحاكم إلى فرض الرقابة الصارمة على النشاط الديني والدعوي والمعرفي، وحتى على العلماء الذين استحوذ عليهم بتقريبه لهم أو معاقبتهم بالسجن أو التشريد أو الإعدام. وعمد إلى تأهيل دعاة ومشايخ وعلماء في كليات ومعاهد الشريعة، وانشأ ما يمكن تسميته عرفا بـ طبقة «الكهنوت» الخاصة بالنظام، والتي شملت فِرَقا وجماعات ورموز دينية، اتخذت من الدفاع عن الحاكم الموضوع العقدي الأبرز لديها.
ومن جهة ثالثة استعمل النظام [1] الدين أداة في تشريع «سايكس - بيكو» دولةً ومؤسسات، ونظما وتشريعات، وسياسات وتحالفات. وعمل على تطويع النص الديني بما يلبي احتياجات الحاكم ومن ورائه النظام السياسي، وفي نفس الوقت محاربة الدين وإبعاده عن شؤون الدنيا بقدر المستطاع.
ومن جهة رابعة برزت جماعات إسلامية وشرائح من العلماء، بنظر العامة، غير معنية بما يحل في الأمة من نوازل، فضلا عن ظهور تيار تحريفي للدين، وآخر تلزمه المصالح والسياسات والمداهنات والمجاملات أكثر مما تلزمه العقيدة في كثير من الأحايين، الأمر الذي أظهر الدين، نصا وتأويلا، كما لو أنه خاص بـ «سايكس - بيكو» دون سواها [2] .
أول اختبار جدي للعلماء، وتوظيف النظام السياسي للدين، على مستوى الأمة، جاء بعد حرب الخليج الثانية سنة 1991، ففي خضمها وبعدها، كان «الاختبار الرقمي» الأول، حين انقسم النظام السياسي العربي شر انقسام. ومعه انقسمت المجتمعات، وانقسم المفكرون والمحللون والصحافيون والعلماء، وانقسم الحجر والشجر، وصارت المواقف والسياسات العربية تتمايز على قاعدة: «من ليس معنا ضد صدام حسين فهو ضدنا» ! فانتهت الحرب بتحطيم العراق والأمة، واستمر الحصار وطال. لكن المواقف صارت تتجه نحو المصالحة ومحاصرة العراق وصدام.
فجأة، ودون مقدمات، وقعت هجمات 11 سبتمبر على أبراج مانهاتن في نيويورك، فوجدنا أنفسنا وجها لوجه مع «الاختبار الرقمي» إياه، لكن هذه المرة، على لسان الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، في مقالته الشهيرة: «من ليس معنا فهو ضدنا» ! مقالة كشفت عن توحش «المركز» بقيادة الولايات المتحدة، وكانت النتيجة أنه ما من دولة عربية إلا واستهلكها الخوف من المقالة الأمريكية، فشرعت كلها، وعلى غير هدى، في التعبير عن استعدادها للاستجابة للمطالب الأمريكية. ولم تدرك أن العبارة تسببت بنزع آخر ما تبقى لها من مشروعية.
المشكلة الأعوص أن النظام السياسي العربي صار، مع الوقت، مثل الأمريكيين، يستثمر في «الحرب على الإرهاب» . فتولدت، حتى لدى العامة، قناعة بأن النظام خسر كل مشروعية، ولم تعد له أية مشروعية إلا في موالاة الولايات المتحدة،
(1) من أشهرها المدخلية والجامية التي اشتهرت لدى خصومها بجماعات الدفاع عن «ولي الأمر» .
(2) للاطلاع على نماذج من عجائب فتاوى العلماء وتباينها مع سلوك العلماء أنفسهم تجاه الحكام، في سلسلة الدورة التاريخية، لدى: د. أكرم حجازي: الإسلام و «طبيخ النَّوَرْ» (1) و مناقشات منهجية لفتاوى طارئة (2) ، على موقع المراقب: http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-show-id-235.htm.