ولعل أعجب مفاعيل «تيارات الجهاد العالمي» في حروبه مع «المركز» أنه حصّن دول العالم الإسلامي من مجرد التفكير بغزو أي بلد إسلامي!!! فلا «إسرائيل» ولا «المركز» باتا قادرين على خوض حروب تقليدية، كما جرى في أفغانستان والعراق. إذ أن مقاتلي اليوم ليسوا كمقاتلي الأمس، والعقائد القتالية لتيارات الجهاد على النقيض تماما من سابقاتها، ذات المنحى الأيديولوجي، وحتى الاستعراضي في كثير من الأحايين.
لكن التيار لم ينجح، حتى هذه اللحظة، في تحصين العالم الإسلامي من هجمات «المركز» الأمنية، ولا حتى استطاع الحد من توغله الأمني، واحتلاله لقطاعات اجتماعية وأمنية واسعة. وعلى العكس من ذلك، فقد اتسمت السياسات الأمنية للدول بالتغول الحاد تجاه مواطنيها. وبدعوى «مكافحة الإرهاب» ، وتجفيف منابعه، اتجهت الدول، وخاصة الأجهزة الأمنية، ومنظري الحل الأمني ودعاته، إلى ما يشبه الانتقام، وتصفية الحسابات مع الخصوم، زيادة على التضييق على الحريات، وامتطاء الفساد والاستبداد والطغيان، كنمط حياة يقدم المزيد من الامتيازات والمصالح، ويلبي تطلعات «المركز» وأمانيه. بل أن بعض الدول ذهبت أبعد مما هو مطلوب منها، حتى صارت أقرب ما تكون إلى مَخْبَر أمني عالمي لنظريات CIA فيما يسمى بـ: «الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب» ، وسط شعور النظم السياسية بالحصانة من أية مسؤولية.
بعد هجمات 11 سبتمبر؛ لم يعد ثمة حدود للطغيان والاستبداد والظلم والفساد. ولم يعد، لأحد، ثمة حصانة عقدية أو دستورية أو قانونية أو قيمية أو إنسانية تذكر. بل أن حقوق الشعوب التاريخية، وما تعرضت له من مظالم، لم يعد لها أي وزن في سياسات «المركز» وأعرافه ومنظماته الدولية [1] .
إذا انطلقنا من المسلمات العقدية في رصد الحالة الثورية، فمن العبث رد الثورات العربية إلى سياقات محلية، بعيدا عما يحدث في العالم من أزمات اقتصادية طاحنة تتسم بطابع الشمولية، لاسيما وأن العقائد والفلسفات الوضعية المهيمنة لم تعد قادرة على تلبية احتياجات البشر الروحية والمادية. فلا «الاشتراكية» نجحت في تقديم الخلاص، ولا «الرأسمالية» أثبتت نجاعتها في ملء الفراغ. فـ «الرأسمالية» ، ومبدؤها اللبرالي، بعكس ما هو شائع، كانت مهددة بالانهيار منذ «صباحيات» القرن التاسع عشر وليس «مسائيات» القرن العشرين. ولولا خدمات «الماركسية العلمية» ، التي شخصت أمراضها مبكرا لما استطاعت «الرأسمالية» أن تعالج نفسها وتستمر إلى عصرنا هذا.
هكذا تكون الفلسفات الوضعية، على مدار قرنين، قد استهلكت كل ما في جعبتها، من نظم سياسية وأنماط معيشية وأفكار وقوانين وقيم. ولم يعد بمقدور «الرأسمالية» ، التي استنفذت طاقتها، أن تتقدم وهي تغرق في الأزمات، إلا عبر خلق المزيد منها،
(1) هذا ما عبر عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن خلال المؤتمر السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة (28 نوفمبر 2001) ، حيث قال فيه: «لن يكون مسموحا لأولئك الذي يظنون أنهم مضطهدون ويبحثون عن تقرير مصيرهم أن يمارسوا العنف بعد الآن» ، مما أثار فزع الوفد الفلسطيني الذي اضطر، غاضبا، لمغادرة القاعة. ومن جهته اعتبر تقرير الأمم المتحدة، الذي أعدته اللجنة الأممية برئاسة جيفري بالمر، رئيس وزراء نيوزيلندا السابق، للتحقيق في الهجوم الإسرائيلي على سفينة مرمرة التركية، وتم تسريبه بالكامل لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قبل يوم من نشره: «أن حصار إسرائيل البحري لغزة قانوني لكن هجومها على سفينة مرمرة التركية التي حاولت كسر الحصار العام الماضي ... استخدمت فيه قوة مفرطة» . 8/ 7/2011، موقع الجزيرة نت، نقلا عن صحيفة الديلي تلغراف البريطانية: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/5 E 16 E 276 - A 98 F-4 BFB-AFC 6 - 24 CADD 12 E 02 B.htm. هذا هو «المركز» ، وهذه هي حقيقة منظماته الدولية التي شهدت زورا على جرائمه في شتى أنحاء العالم منذ نشأتها وإلى يومنا هذا.