توصف بالوطنية، سواء كانت إسلامية حركية أو دعوية أو اجتماعية أو علمانية أو لبرالية أو اشتراكية أو قومية أو عنصرية ... وفي المحصلة ثمة قائمة طويلة من العبث، لا حدود لها، ولا ضابط لعملها، ولا رابط يجمعها إلا «سايكس - بيكو» !!! ولا يستثنى من هؤلاء إلا من حسنت منطلقاته وصدقت نوايا البعض منه.
في عهد هؤلاء احتلت «إسرائيل» ما تبقى من فلسطين والجولان وسيناء وأجزاء من الأردن، وغزت لبنان، وتمسكت ببعض أراضيه حتى الآن. وفي عهد هؤلاء أيضا سقط العراق وأفغانستان، وتفككت الصومال، وذبح الصرب أهل البوسنة والهرسك، ومزق الروس الشيشان، وظلت تركستان الشرقية تحت التهديد الصيني، وانتزع الغرب إقليم سومطرة من إندونيسيا المسلمة. هؤلاء هم الذين عقدوا التحالفات مع نظم سموها تارة بـ «جبهة الصمود والتصدي» وتارة بـ «محور الممانعة» ، وهي النظم التي دمرت الحركة الوطنية العربية، وزجت بمنظمة التحرير الفلسطينية في صلح مع اليهود، حتى صرنا نترقب موعد سقوط المسجد الأقصى، وهي التي أثبتت الثورات أنها أشد النظم فتكا بشعوبها، وأحرصها على حماية «إسرائيل» . كثير من هؤلاء صار أسيرا لأفكاره ومعتقداته وأيديولوجياته ومصالحه وهواه. كل هؤلاء لم يشاركوا في الثورات بقدر ما امتطوها دفاعا عن مصالحهم أو إحباطا لها أو إدانة لها!!!
لذا فإن أحد أبرز التغيرات التي أحدثتها الثورات الشعبية أنها تجاوزت كل الأيديولوجيات السابقة وتشكيلاتها السياسية والحركية. أما إنْ كان من تفسير لهذا الخروج الشعبي، بهذه الصيغة، فربما يكمن في مشاعر الإحباط من هذه القوى التي عجزت عمليا، أو فشلت نظريا، في قدرتها على إحداث أي فارق إلا في مستوى تفاقم الاستبداد والطغيان والتراجع الحضاري الشامل للأمة. فلا هي استطاعت أن تحمي نفسها، ولا هي نجحت في انتزاع حقوقها، ناهيك عن حقوق الناس، ولا كان بمقدورها أن تقدم مخرجا من الاستبداد. فما كان من الشعوب إلا أن بادرت بنفسها لإنجاز ما عجز عنه الآخرون.
هذا التوصيف أمكن ملاحظته في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا. مع الإشارة إلى أن القوى الأيديولوجية لحقت بالثورات، بعيد انطلاقتها أو نجاحها، ولم تكن صانعة لها، وأعلنت تأييدها للثورات وانحيازها لقيادة الشباب لها، كما فعلت «أحزاب اللقاء المشترك» في اليمن، وكذا زعماء القبائل. وإذا أخذنا بعين الاعتبار وقائع الثورة اليمنية، مثلا، فإن أغلب القوى الشعبية حمَّلت «أحزاب اللقاء المشترك» مسؤولية الجمود الذي تعاني منه الثورة. بل أن أطرف تعليق على حال الثورة اليمنية صدر عن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، في أحد خطاباته المرئية من العاصمة السعودية - الرياض، حين حذر هذه الأحزاب من سرقة ثورة الشباب [1] !!! لكن في دول أخرى كالأردن والمغرب فقد بدا أن القوى الأيديولوجية شاركت إلى حد كبير بتنظيم الاحتجاجات وحتى الدعوة إليها، إلى جانب الحراك الشعبي. وأيا يكن الأمر فإن دخول القوى السياسية على خط الثورات الشعبية غالبا ما خلف أضرارا فادحة، بالنظر إلى كون ثقافة هذه القوى عملت تاريخيا بموجب مصطلحات «سايكس - بيكو» [2] وثقافتها.
(1) كلمة رئيس الجمهورية إلى مؤتمر قبائل اليمن، 16/ 8/2011، على اليوتيوب:
(2) لعل أطرف ردود الفعل على مدى الثقة بهذه القوى، ذلك الذي صدر عن الناشط الأردني المهندس ليث شبيلات. ففي كلمة له أمام ... الآلاف بمدينة الطفيلة، في وقت متأخر من ليلة 18/ 8/2011: دعا شبيلات قادة الحراك الشعبي الجدد إلى أن لا يثقوا بأبناء جيله من القيادات التي قال إنها: «باعتهم في الماضي وستبيعهم في المستقبل» ، راجع: «إخوان الأردن يدعون لثورة سلمية» ، 20/ 8/2011، موقع الجزيرة نت: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/DB 8 A 00 AF-A 0 F 1 - 469 A-A 802 - 5 CDA 52 BD 1285.htm ، وهي عبارة قريبة سبق وأن أدلى بها في بيروت خلال انعقاد المؤتمر القومي العربي، الذي تزامن مع انطلاقة الثورة المصرية.