القابلة للتحالف (مع) ، «المركز» كـ «اللبرالية» و «العلمانية» و «اليسارية» ، وحتى بعض الفرق الدينية الباطنية كـ «النصيرية» و «الإسماعيلية» و «الطرق الصوفية» و «الأقليات الإثنية» وغيرها، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات.
بطبيعة الحال، من المسموح لـ «السجناء» التمرد بهدف تحسين أوضاعهم المعيشية، لذا سيكون من السهل ملاحظة وجود عملاء وخونة ومنافقين ومرجفين ومخذلين ومحبطين، مثلما سيكون من المنطق ظهور حالات تمرد بين الحين والآخر. لكن من المحظور على الجميع الخروج على «النظام» . وهذا يفسر إلى حد كبير أسباب تخلف الأمة وتبعيتها، كما يفسر تعدد الفلسفات والأيديولوجيا والأفكار الباحثة عن سبل الإفلات من هذه المنظومة، كما يفسر الصراعات المحلية الكبرى، والخصومات بين النظم، ويفسر حالات الانقسام الاجتماعي والسياسي والإثني على خلفية البحث عن الامتيازات، أو السعي لاسترضاء «المركز» ، كما يفسر احتجاز حرية الأمة وتقدمها اقتصاديا أو اجتماعيا أو علميا أو ثقافيا أو ... ومنعها من مجرد التفكير بتطبيق الشريعة، باعتبارها الآلية الوحيدة التي يمكن أن يجتمع عليها الجميع.
في التفاصيل المبدئية، يمكن القول، أنه في إطار المنظومة يمكن لأي نظام سياسي، أيا كانت هويته أو أيديولوجيته، أن يستمر في الحكم بلا حدود؛ إذا ما التزم بشروط «المركز» ، الذي يرى في دولة «سايكس - بيكو» مجرد ملحق لا يمتلك السيادة ولا الحقوق ولا الطموح إلا بما يسمح به. والقاعدة الأساسية تقضي بثبات النظام على خصائصه البنيوية دون أي تعديل. وبالتالي فليس من المتوقع، وفق أية ظروف، نشوء أو زوال كيانات سياسية أو اندماج أخرى فيما بينها تحت مسميات الوحدة العربية أو الإسلامية أو الفيدرالية أو الكونفدرالية، ما لم تحظ برضى «المركز» ، لأن مثل هذا الأمر سيعد خروجا على المنظومة القائمة مما يستدعي اللجوء إلى الضغوط وصولا إلى التدخل العسكري [1] .
لكن أخطر ما في «سايكس - بيكو» ، أنها تضخمت على نحو لا يمكن تصوره، حتى أنها استقرت في عقول العامة والخاصة على السواء، وكأنها (1) حالة ثقافية، و (2) عنوانا حضاريا و (3) معطىً أشد قداسة من دين الله عز وجل. وتبعا لذلك صار كل مسلم يفتخر بوطنه ويعتز به، من إندونيسيا وماليزيا إلى مراكش، حتى أصبح للحارات والأحياء موسوعات تتحدث عن حضارات لها ما قبل التاريخ!!
لا يهمنا هنا البحث عن مصادر الشرعية المحلية التي حصل عليها هذا «النظام» طوال عقود. لكن لا بد من الانتباه جيدا إلى أن تصميمه جرى:
• باعتباره نمطا مجتمعيا نموذجيا، وجذابا للمعيش، بالنسبة لمجموعة بشرية في مساحة جغرافية معينة؛ اشتهرت باسم الدولة الفلانية وشعب الدولة الفلاني. بل أن بعض الدول لم يكن عدد سكانها يزيد عن بضعة عشرات من الآلاف صارت تطلق على سكانها لقب أمة! ورغم أن النمط محصلة تاريخية لعملية استعمارية صارخة إلا أنه حظي بالشرعية والحصانة حتى من السكان بمختلف فئاتهم، إلى أن بدا خارج الاستهداف حتى هذه اللحظة. بل أن القوى السياسية المحلية، التي ناهضت «النظام» تاريخيا، إسلامية أو علمانية، كانت تستهدف، على الدوام، منظومة «الاستبداد المحلي» وليس «النظام» ، الذي لم يسبق، ولا مرة واحدة، أن تعرض لاستهداف في مشروعية وجوده.
• وباعتباره مجموعة آليات اشتغال فعالة. بقاؤها واستمراريتها مرهون بما (أ) يفرزه «النظام» من قيم وثقافات محلية، مهمتها ترقية وجوده وترسيخه، أو بما (ب) يقدمه، عبر هذه الآليات، من خدمات مغرية، وامتيازات للأفراد والفئات والتشكيلات الاجتماعية المكونة له.
(1) مثلا رفض «المركز» احتلال العراق للكويت وضمها إليه سنة 1990، أو اندماج سوريا ومصر في دولة واحدة سميت بالجمهورية العربية المتحدة سنة 1958، بينما قبل اندماج شطري اليمن في دولة واحدة سنة 1990، على خلفية تصفية النظم الشيوعية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، أو إقامة السلطة الفلسطينية عقب توقيع اتفاق أوسلو (1994) ، وأخيرا (2011) انفصال جنوب السودان في دولة مستقلة عن جمهورية السودان.