وقد تعرف على العرب المتواجدين، وكنا حوالى أربعة أفراد، أنا وعبد الهادى وأبوعلى وأبوأمامه (وكان أبوحسين مندوبا دائما لنا في طالقان) . وأثناء جلسته معنا تطرق الحديث إلى الصوفيه. ولما شعر أننا لسنا أعداء لها إنفرجت أساريره وأطلعنا على طريقته وعلمها لنا.
وكان الأمر سهلا، مجرد مجموعة أدعية قصيرة يكررها الفرد عددا معلوما من المرات. وضحك ملء قلبه قائلا: لقد أصبحتم صوفيين من طريقتنا. طلب منا مولوى عبد اللطيف برجاء أن نبقى عنده الليلة، لأن الطريق الذى سنعبره فيه بعض"مشاكل". وكنا نسمع أصوات إنفجارات وإطلاق نار.
ذهبنا إلى مبنى حكومى ضخم ودخلنا صالة واسعة جدا في طابقه الأول، كان بها الكثير من الأسرة الحديدية العسكرية. قابلنا هناك شابا ملتحيا. قدم لنا نفسه على أنه ضابط سابق في الجيش، وأنه من قبيلة زدران. قال أنه وقع في أسر القوات الشيوعية في بداية الحرب، فسجنوه في سجن"بولى شرخى"لمدة ست سنوات، ثم أفرجوا عنه في عملية تبادل للأسرى تمت بين الروس وحقانى، الذى أسر ضباطا شيوعيين في معركة جاور 1985
سألته إن كان يعرف شيئا عن تلك المعركة. فقال أنه كان في السجن وقتها ولكن وصلتهم إلى داخل السجن مقالات عنها نشرتها جريدة الاتحاد. فكان السجناء يقرأون جماعيا تلك المقالات ويتفحصون الصور التى بها، وقد إرتفعت معنوياتهم كثيرا وأيقنوا أن خروجهم من السجن بات قريبا.
"لم أخبره أننى كاتب تلك المقالات لأن هيأتى وقتها لاتوحى بأننى أعرف القراءة والكتابة".
ولكننى إنتبهت إلى أن الجدوى وعدم الجدوى مسألة نسبية. فما هو غيرمجدى أو مفيد في الأمارات وأبو ظبى، قد يكون مفيدا ومجديا في سجن بولى شرخى في كابول.
* في ضحى اليوم التالى وصلت الأخبار بأن الطريق آمن. فتحرك بنا الباص بين خطوط المتصارعين: دوستم، حكمت يار، مسعود. ونحن في صمت رهيب، لانتكلم ولاننظر من نوافذ الباص المغلقة، خشية أن يتأذى أحد المسلحين من مناظرنا فيطلق علينا النار بغير حساب. فقتل ركاب أحد الباصات أو إحراق أحد الباصات بمن فيه، مسألة غاية البساطة وربما مطلوبا في تلك الظروف. فإذا كان الركاب أعداء فقتلهم شئ جيد وإن كانوا أصدقا فذلك حادث مؤسف نرجوا ألا يتكرر، أما إذا تكرر فذلك قضاء وقدر لامهرب منه ولا إعتراض عليه.
لم نشعر بالخطر الحقيقى أثناء الرحلة إلا مرتان. الأولى قبل أن ننتهى من عبور ممر سالانج بقليل، والآخرى بعد أن عبرناه بقليل.
مدخل الطريق في قرية جبل السراج منطقة هادئة وجميلة تستقبل المسافرين بمجموعة من الفنادق التقليدية النظيفة في بيئة جبلية نقية.
تناولنا طعام الغذاء في أحد تلك الفنادق، ثم تركناها وأنا أود البقاء وقتا أطول متعجبا
من كل هذا الجمال الوديع كيف شاهد أنهار الدماء تسفك على مر الزمان.