عندما شيعتنا طائرات مسعود بقصف عنيف للمناطق التى نحن فيها أو نتحرك إليها
كان ذلك مثل زقزقة العصافير بجانب بؤس الوجوه التى كانت تبحث عن العرب فى
عشرات من نقاط التفتيش التى أوقفتنا منذ غادرنا قندز حتى وصلنا"تشارآسياب".
إنتابنى إحساس العائد إلى الوطن عندما رجعت إلى خوست، وشعور العائد إلى
البيت عندما دخلت معسكر"جهادوال"، وطاقمه الحبيب يستقبلنا بالأحضان والإبتسامات في آخر حديث لى من طالقان مع أبوالعطاء التونسى أمير المعسكر، سألنى عن إحتياجاتنا هناك، فرددت عله"جهز لنا عندك برميل شاى بالحليب".
عند وصولى سألنى عن معنى تلك الشيفرة. فقلت له: معناها أن مهمتنا إنتهت وأننا
عائدون إليكم كى نجلس معا ونشرب الشاى بالحليب.
ضحك أبوالعطاء من كل قلبه. وأمر بتجهيز الشاى بالحليب وجلسنا في مكان خاص أعده قرب مطبخ المعسكر، وكان عبارة عن مصطبة خشبية مرتفعة قليلا ومظللة بالقماش وخلفها مكان تعيش فيه بقرتان أحدهما سوداء وآخرى بيضاء. قال لى أبو العطاء أنه إشتراهما من أجل الحصول على حليب لأفراد المعسكر فقلت له أن السوداء للشاى والبيضاء للحليب فلن تحتاج إلى شراء شيئ من السوق ضحك أبوالعطاء، وكان يسعده جلساتنا الجماعية المرحة لإحتساء الشاى بالحليب والحديث عن كل شيئ، فكان يحرص عليها بانتظام.
فى ليلة إستشهاده زارنى في بيتى في كابول قبل ذهابه إلى الجبهة. تناولنا طعام
العشاء وشربنا الشاى ثم صلينا خلفه في جماعة، وكان صوته شجيا في تلاوة القرآن، وكان معنا أبوحفص وآخرون. كان حديثنا وقتها عن تجهيز برنامج جديد للعمل في مناطق ماوراء نهر جيحون في طاجيكستان وأوزبكستان. ورغم طبيعته المتحفظه كان متحمسًا، وكان مصرا على الإستقاله من إمارة معسكر الفاروق بعد أن مل جلوسه الطويل هناك لسنوات، لهذا جاء إلى الجبهة بحثا عن الإنعتاق.
فى ضحى اليوم التالى كان إنعتاقه النهائى من هذه الدنيا. ذهبت لرؤيته جثمانه في مستشفى كابول، ومعه أربعة من المتطوعين العرب وجميعهم مغسول بالدماء فقد أصابهم صاروخ بشكل مباشر فإستشهدوا جميعا في نفس اللحظة. كان صديقى راقدا في هدؤ كالمتأمل، ولحيته السوداء الكثة تزيده مهابة وجلالا. أحسست أن قلبى يتفطر وتمنيت البكاء فلم أستطع، كنت متصلبا بطريقة أزعجتنى.
وعند العصر كنت ضمن موكب دفنه فوق أحدى الهضاب خلف مطار كابول، إلى جانب زميل له، عربى آخر إستشهد معه في نفس الموقع. جلست قرب قبره وأنا أستعيد في ذاكرتى أسماء من أحبهم وأماكن دفنهم المتباعدة ... من ميرانشاه إلى خوست إلى جلال آباد إلى كابول إلى الشيشان إلى البحيرات الإفريقية .. إلى .. سألت نفسى لماذا أنا في ذيل القائمة دائما؟؟. وإلى متى سأظل واقفا على حافة القبر وفوق رأسى لافته مكتوب عليها: لم يصبه الدور؟؟.
"إنتهى"