إنصرف جمعه شاكرا. وكان صديقى أبوحسين المصرى جالسا إلى جانبى وقتها، وما أن إنصرف جمعه حتى إنفجر صديقى ضاحكا حتى إستلقى على الأرض. سألته عن السبب، فقال لى أنه يخشى أن تتورم أيضا العين السليمة لجمعه أو أن يفقد نظره. ووقتها سيضربوننا بمدفع 82 مليمتر الموجود على السطح.
شعرت بغصة في حلقى وبلعت ريقى بصعوبة. ولكنى تماسكت وأظهرت ثقه بدوائى وقدراتى العلاجية وأخذت أبدد شكوك صاحبى ذو الطبيعة المتشائمة مع أننى بدأت أتوجس شرا. كان الغد يوم جمعه، ومن المتفق عليه أن جارنا جمعه سيزورنا في العاشرة صباحًا لكنه لم يحضر.
أبوحسين جاء يذكرنى بمخاوفه وهو يضحك. فقلت له أننى سأعاقبه على أفكاره السلبيه تلك بأن أرسله للإطمئنان على جمعه وسبب تأخيرة.
فقال أنه خائف فأصررت عليه فذهب. وعاد بعد قليل ممتقع اللون. لقد حدث ماكان يخشاه وتورمت عينا جمعة ولم يعد قادرا على مغادرة الفراش أو رؤية من حوله، فأسقط في يدى.
وطلبت من صديقى على سبيل الإحتياط أن يسأل في مطار طلقان عن أقرب طائرة متوجهة إلى كابول وعدد المقاعد الممكن الإستفادة منها لمجموعتنا. ضحك أبوحسين وبقيت معه على سطح المنزل حتى نراقب أى تحركات مشبوه حول المدفع عديم الإرتداد الموجود على سطح بيت جمعه.
بعد ثلاثة أيام شفى جمعة وأصبحت عيناه سليمتان فحمدت الله أن إستجاب دعائى له بظهر الغيب. وعاتبت أبوحسين على وساوسه التى لا مبرر لها.
أصيب عدد منا بالملاريا وكان معى أقراص لعلاجها بدواء"الهوموباتك"الذى كان يخفف منها قليلا ولكنه لم يكن يعالجها.
قبل قرارنا بالسفر أصبت بالملاريا، فذهبت إلى قندز حسب نصيحة أحد الاطباء لأخذ بعض الحقن، فعلت ذلك ولكن بلا فائدة. سأل أبوحسين عن الطائرات المتوجهة إلى كابول، وكان معظمها طائرات هيلوكبتر عسكرية فعلم أن وصول طائرة متوقع بعد أسبوع ولكن العثور على مقعد أو مكان للجلوس على الأرض، أمر غير مضمون لأن أكابر القوم في الحكومة هم المعنيون بتلك الطائرات.
* أبوحسين كمندوب سامى لنا في الشمال عند حزب النهضة إستخدم تلك الطائرات عدة مرات بواساطات من زعيم النهضة. وحكى لنا عن أحوال السفر عليها. قال أنه في أحدى رحلاته تلك تكدست الطائرة بالناس وبراميل البنزين وبعض الخراف (!!) وأن الأحوال الجوية إضطربت أثناء الرحلة وأوشكت الطائرة على السقوط.
فى تلك الأيام أيضا كانت هناك حربًا جوية بين مسعود وغريمه دوستم. ولما كان الطيارون يحترم بعضهم بعضا بعد زمالة طويلة وقت الحكم الشيوعى، فكانوا لا يهاجمون بعضهم بعضا في الجو، بل يضربون الطائرات وهى على الأرض فقط.
مراعاة خاطر الزمالة بين الشيوعيين إنتقل أيضا لحسن الحظ إلى الجانب الإسلامى المتقاتل على الأرض، فانتشر تقليد الهروب المتبادل في سياسة يمكن وصفها بسياسة"شيلنى وأشيلك"أو"إهرب لى وأنا أهرب لك".