وذكر الأشباه والنظائر إلى حدّ الاستقصاء أحيانًا؛ أما الشاعر فيقتصر من ذلك على قدر الحاجة، فإن الشعر ضيق لا يحتمل ذلك الطول، بل يراه في بعض الأحيان نوعًا من الفضول. وثم فرق ثالث هو أن الخطيب يراعي في تصوير معانيه أن تكون سطحية بسيطة، قريبة الغور، سريعة إلى الفهم، فإنه يوجهها إلى عقلية بسيطة هي عقلية الجماعة؛ وكما أن هذه العقلية سريعة القياد، فهي سريعة الجموح، لا يؤمن نِفارُها؛ وما أقرب انصرافها وإعراضها عن الخطيب إذا رأت في معانيه ما يكلفها مشقة الفهم وعناء الفكر، ولذلك يعتمد الخطيب في خطبته على الصوت والإلقاء وملابسات الموقف أكثر من اعتماده على غرابة المعنى وعمق الفكر
أما الكاتب والشاعر فيغربان في معانيهما ما شاءا، ويتعمقان في ذلك ما أرادا؛ تلك هي بعض الفروق بين المعاني في الصناعات الثلاث؛ فإذا رأيت في إحدى هذه الصناعات بعض الميزات الغريبة عنها فهي مستعارة من غيرها لا أصلية فيها؛ ولا غرابة في أن ترى الشاعر خطيبًا أو كاتبًا في قصيدته، ولا أن ترى الكاتب شاعرًا أو خطيبًا في رسالته، ولا أن ترى الخطيب شاعرًا أو كاتبًا في خطبته؛ وإنك إذا قرأت شعر ابن الروميّ وجدت فيه كثيرًا من تقسيمات الكتاب وتعليلاتهم والاستدلالات المنطقية، والاحتجاجات الملزمة للخصم، كقوله:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
وقوله يخاطب صديقًا:
وقد حلفنا على الوفاء جميعًا ... واجتهدنا وذاك جهد المطيق
فبأي الأحكام توجِب تصدي ... قك حتما ولا ترى تصديقي
وبأي الأحكام قولك برها ... ن وقولي من خُلّبات البروق
ليس في العدل أن تحكم في قو ... لك فارجع إلى سواء الطريق
ما من الدعويين إن ضِقت دعوى ... غير محتاجة إلى تحقيق
ولنا إن رددت ما ندّعيه ... رَدُّ ما تدعيه، ضيقًا بضيق
وقوله يعاتب صديقًا لم يحفظه في مغيبه وعاب شعره: