استمالة القلوب وترقيقها بالبكاء والندب، وتصوير الآلام، وإعلان الفضائل، فاصطبغ شعرهم بالحزن العميق، والرثاء النائح، والمدح المبتهل، والعصبية الحاقدة. على أن هذه الخصائص لم تكن واضحة في شعر أوائل الشيعة وضوحها في شعر الأواخر منهم، فإن تغلغل الفكرة في أصل العقيدة، وتنكيل الحاكمين بآل البيت، واضطهاد الولاة للشيعة، إنما تدرجت قسوةً وقوة مع الزمن، فضلًا عن قلة شعراء الشيعة في هذا العصر لإفساد الأمويين الضمائر بالحديد والذهب؛ فشعرهم بدأ ولاءً صادقًا، ومدحًا خالصًا، وهجاء مرًا، ثم اشتد فصار مفاضلة جريئة، ومعارضة شديدة، ومناقشة فقهية، ودعاية حزبية. ولعل ذلك يتجلى لك فيما ذكرناه وفيما سنذكره من الأمثلة. فمن التعبير عن العاطفة القوية الساذجة قول أبي الأسود الدؤلي:
يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدهر لا تنسى عليّا!
ينو عم النبي وأقربوه ... أحبُّ الناس كلهم إليّا
أُحِبهمُ كحبّ الله حتى ... أجيء إذا بُعثت على هَويا
فإن يك حبهم رشدًا أُصِبْهُ ... ولست بمخطئ إن كان غيّا
ومن المدح والمفاضلة قول أيمن بن خزيم الأسدي:
نهاركمُ مكابدة وصوم ... وليلكُم صلاةٌ واقتراء
أأجمعكم وأقوامًا سواءً ... بينكُم وبينهم الهواء؟
وهم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأرْؤسِهمْ وأعينهمْ سماء
ومن الهجاء قول ابن مفرغ الحميري:
ألا أبلغ معاوية بن صخر ... مغلغلةً من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عفٌّ ... وترضى أن يقال أبوك زاني؟
فأشهد إن رحمك من زيادٍ ... كرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنها ولدت زيادًا ... وصخر من سُمَيّة غير داني
وقول عبد الله بن هشام السلولي في يزيد بن معاوية:
حُشينا الغيظ حتى لو شربنا ... دماء بني أمية ما روينا
لقد ضاعت رعيتكم وأنتم ... تصيدون الأرانب غافلينا