إلى قرية فُلِشْتين في بروسيا الشرقية، وفي هذه القرية أتم عامه الثامن والعشرين، فأهدت إليه زوجته في عيد ميلاده مكرسكوبًا يلهو به ويتسلى.
وكأني بهذه المرأة الطيبة تقول في نفسها عن إهداء هذا المجهر إياه: (لعل هذا المجهر يبعد فكره عن عمله الذي لا يرضاه. . . لعله يروح عن نفسه قليلًا ويكسبها شيئًا من الرضاء. . . إنه دائم التحديق إلى كل شئ بعدسة جيبه الصغيرة العتيقة. . .) .
وا بؤسى لهذا المرأة الطيبة الساذجة! لقد أهدت إليه هذا المكرسكوب غير عالمة أنها بهذا الإهداء إنما فتحت له باب مغامرة تتضاءل إلى جانبها مغامرات كانت كان يحلم بها في أقطار الهند وجزائر الأقيانوس السفلي. فتلك الرؤى التي رآها بستور جاءت كوخ على يأس تتأوّل عند بابه وفي نفس تلك الغرفة التي أستقبل فيها مرضاه تلك الغرفة المليئة بالدواء تلك الغرفة التي ضاق بها وضاق بها وبدوائها تلك الغرفة التي عاف بها الطبَّ حتى كاد يصبح داء نعم في تلك الغرفة استحالت أحلام بستور حقائق أرتاها كوخ في جثث الأبقار ورِمَم الأغنام من خلال عدسات ذلك المجهر الذي أهدته زوجته إياه للهو والسلوى كأني بكوخ يقول لزوجته: (أنا أكره هذه الخدعة التي يُسْمونها طبًّا. . . وليس ذلك لأني أكره تبرئة الأطفال من الدفتيريا. . . ولكن الأمهات يأتينني صارخات مستغيثات يطلبن النجاة لأبنائهن وبناتهن. . . فماذا أنا صانعه لهن؟ أتحسس لهن في الظلماء أطمئن وأرجّيهن حين لا طُمَأنينة ولا رجاء وكيف لي بعلاج الدفتيريا وأنا أجهل حتى أسبابها وأكثر أطباء ألمانيا يجهلون أسبابها كذلك) . يَبُثّ صاحبنا شكواه المرّة لأيمى فتضيق نفسًا وتحتار فكرًا وتغتاظ من هذا الزوج الذي لا يرضى أبدًا لأنها كانت تعتقد أن واجب الطبيب الشاب يَتَأدَّى وينتهي إذا هو بذل كل ما في وسعه استعان بعلمه الكثير الذي حصله في مدرسة الطب يوم كان طالبًا.
وعلى الرغم من هذا فكوخ كان لا شك على حق. فما الذي كانت الأطباء تعلمه من أسباب الأمراض الوبيئة؟ لا شئ. نعم قام بستور بتجارب رائعة ولكنها لم تثبت شيئًا من سبب اقتباس الإنسان الوباءَ ولا من كيفية اقتباسه رفع بستور بيمناه مشعلًا وضاء كبيرًا وسبق به إلى تلك الظلمات صارخًا بالأمل داعيًا للنصر يحدث الناس عاليًا بانهزام الأوبئة قريبًا ومحو الأمراض من سطح الأرض وشيكًا ولكن الأوبئة لم تكن بدأت تتخاذل والأمراض لم