أزقتها وجدران مبانيها متخذًا الأولى مغدي ومراحا والثانية مأوى. وقد استجدت ذلك الفلاح يومًا رغيفًا فأكل ربعه ودس الباقي في جيب ثوبه المهلل جاعلًا إياه ذخرا يلجأ إليه إذا عضه الجوع في ليلة لم يجد فيها من يطعمه لقمة. فكان جيبه بارزًا إلى أمام يخيل إلى من يراه إنه قد خبأ فيه شيء ذا قيمة وقد أراد سوء حظه أن يلقاه دائنه المبرنط وهو على تلك الحال فأسرع إليه الشك في إنه يخفي في جيبه دجاجة لها بيض ذهبي، وزاد الشك في قلبه وغلى دمه عندما تذكر أنه لا يزال له على ذلك الريفي مقدار من المال. فقال في نفسه (يا للعدالة أأكون دائنًا لذلك الريفي ولا أستطيع أن أحصل على ديني منه؟ وهاهو ذا يسير طليقًا وفي جيبه دجاجة تبيض الذهب؟) وما هو إلا أن قال ذلك في نفسه حتى اندفع إليه وأمسك بتلابيبه. وما هو إلا أن فعل ذلك حتى أجتمع من رأيت حولهما من الناس ينظرون ويتكلمون ويمزحون وقد أراد ذلك المبرنط أن ينزع عنه ثوبه المهلهل ليرى ما تحته فأبى الرجل الريفي خجلًا من أن يرى الناس جسمه المشعر عاريًا، فتشبث بالثوب وعلا النزاع بين الرجلين حتى بدأ النظارة يتدخلون بينهما ووقفت أنظر ما يؤول إليه أمر هذا النزاع، فما هي إلا برهة حتى رأيت الجميع يتألبون على الريفي حتى نزعوا عنه ثوبه، يبحثون عن الدجاجة ذات البيض الدجاجة. فلما تم لهم ذلك
المسعى لم يجدوا إلا رغيفًا مقطوع الربع مهشم الباقي. فلما راى الرجل المبرنط ذلك لم يرض أن يرجع عن هجومه ذلك خائبًا، فأصر على أن يأخذ الثوب المهلهل ويترك الرجل عاريًا، ثم فكر في أخذ الرغيف ولكن نفسه عافته، وظن أنه لم يجد له شاريًا فتركه وقال: (عليك أن تشكرني أيها المماطل لأني تركت لك ذلك الرغيف تأكله وتملأ به بطنك وتنام في حين أنا لا أتقاضى منك ديني. يا للعدالة!) . إلى هذا فهز كثير من الحضور رؤوسهم علامة الإعجاب والموافقة ولم يتكلم واحد منهم بكلمة. ولكني كنت حديث العهد برحلة في عصر ماض من عصور مجد بلادي وكان قلبي ممتلئا كبرًا واعتدادً بنفسي. فأنفت أن أترك مواطني في هذا البلاء. فتقدمت نحوه وقد غلبني الغضب على الصمت وقلت للريفي بصوت عال: (هل لك أيها المسكين أن تشترك معي في استرداد ثوبك بالقوة؟) فنظر الرجل إلي نظرة ذات مغزى ثم نظر إلبى منت حولنا وسكت فنظرت حيث رأيته ينظر فإذا بالنظارة يمزحون ويضحكون ويقلبون الثوب وهو مع الرجل المبرنط ويهنئونه