وقد كان أبو العتاهية في آخر أمره يحاول جهده أن يجعل جوائز الملوك وغيرهم إليه في نظير هدايا يتقدم بها إليهم، كما كان يفعل ذلك مع الأمين والمأمون فيما ذكرنا في ترجمته، وهو في ذلك يشعر بسمو منزلته إلى منزلتهم، ويترفع عن ذلك التكسب الذي كان يأخذ به في أول أمره، وإن كان على تلك الطريقة التي لم يكن لها أثر معيب في نفسه
وأما بخله فنعتقد أنه لم يصل فيه إلى ذلك الحد الذي يؤثر فيه ما أثر عنه من تلك النوادر وغيرها، وإنما ذلك من اختلاق خصومه ومنافسيه عليه، ليشوهوا منه تلك الصيحة المُدَوِّيةَ في الزهد، ويظهروه في مظهر من يقول بما لا يفعل، فلا يتأثر الناس بدعوته، ولا ينظرون إلى أقواله، ولا شك أنه يشفع لأبي العتاهية في ضنه بماله أنه كان رجلًا شاعرًا يجمع ماله من أيدي الملوك والعظماء، ويبذل في ذلك ماء وجهه على ما كانت عليه نفسه من عزة ورفعة، فإذا ضن به بعد هذا فإنما يحمله على ذلك أن يكون دائمًا في غير حاجة ملحة إلى من يحاول أن يشتري شعره بها، فيسير فيه كما يشتهي هو لا كما يشتهي غيره، وقد كان أبو العتاهية دائمًا مهددًا من أجل هذا بالحرمان، وعرضة للتضييق والسجن واستباحة المال، فهو يجمع من ذلك ما يجمع ليجده في وقت حرمانه، ويضن به على من لا يجده في ذلك الوقت إلا عدوًا له أو شامتًا فيه، وقد كان يجد من الناس ما ساء به ظنه فيهم، وآثر به العزلة عنهم، وكان له فيهم مذهب غريب يقضي بتبخيلهم كلهم، فهو يقارضهم بخلًا ببخل، ويضن عليهم ضنًا بضن، قال مخارق: لقيت أبا العتاهية على الجسر، فقلت له: يا أبا إسحاق أتنشدني قولك في تبخيل الناس كلهم؟ فضحك وقال لي: هاهنا؟ قلت: نعم، فأنشدني:
إن كنت متخذًا خليلًا ... فَتَنَقَّ وانتقد الخليلا
من لم يكن لك منصفًا ... في الود فابغ به بَدِيلا
ولربما سئل البخي ... لُ الشيء لا يسوي فَتيلا
فيقول لا أجد السبي ... ل إليه بَكْرَهُ أن يُنِيلا
فلذاك لا جعل الإل ... هُ له إلى خير سبيلا
فاضرب بطرفك حيث شئ ... تَ فلن ترى إلا بخيلا
فقلت له: أفرطت يا أبا إسحاق، فقال: فديتك فأكذبني بجواد واحد؟ فأحببت موافقته، فالتفت