فلا قيمة إذن لعدد الألفاظ التي في اللغة، ولتكن ألفًا لا أكثر، أو مائة ألف، أو أقل من ذلك أو أكثر، فلن يختلف الأمر في الحالتين، والأمر من حيث الأداء في اللغة مثله في التصوير، ذلك أن الألوان التي يستعملها المصور قليلة العدد جدًا، وهي أداة المصورين جميعًا كما أن الألفاظ أداة الكتاب. ولسنا نظن أن أحدًا سيزعم أن قلة الألوان التي يستخدمها المصور جعلت التصوير أسهل، وما من مصور إلا وهو عارف بالألوان وكيف يستعملها وكيف يزاوج بينها، ومع ذلك يجئ آخر بغير شيء، ولا نحتاج أن نقول إن الألوان لا ذنب لها، وإن المصور نفسه هو الذي يستطيع أن يؤدي بها ما أراد أن يبرزه أو يثبته أو يدل عليه أو يرمز له، وكذلك في الكتابة: لا ذنب للألفاظ، فإنها - وهي مفردة - لا تؤدي شيئًا، ولا فرق بينها، ولا فضل لواحدة على واحدة، وإنما تصير كلامًا بعد أن يحدث فيها الكاتب نظما أي بعد أن يؤلف بينها، كذلك الألوان ليست هي الصورة، وإنما تصبح صورة بعد المزج والمزاوجة والتأليف
وسواء أقلت الألفاظ المستعملة أم كثرت، فسيظل هناك كتاب مشرقون واضحون يسهل ورود كلامهم ويحسن وقعه، وآخرون غامضون أو معوصون، يحطمون رؤوس القراء لأنهم يكتبون قبل أن يتبنوا ما في نفوسهم من الخواطر أو الاحساسات أو لأنهم لم يرزقوا القدرة على ألداء الحسن الواضح، أو لأن في أسلوب تفكيرهم التواء، أو لأن في طريقة تناولهم للموضوع عوجًا، أو لغير ذلك من الأسباب الراجعة - في مرد أمرها - إلى المرء نفسه لا إلى الألفاظ. ولو كان الأمر رهنًا باللفظ وحده لهان الخطب، وما على الإنسان حينئذ إلا أن يفتح معجما - إذا اعترضه لفظ غريب
وعلى أن الواقع أن عدد الكلمات التي يستعملها الكتاب، قليل جدًا إذا قيس إلى ما في اللغة، وهو لا يزيد على بضع مئات، ومن هذه المئات القليلة يحدث كل كاتب أو شاعر آلافًا من الصور، وبها يؤدي ما لا يستطيعأن يحسبه الحاسب من المعاني والخواطر والاحساسات، كما يستطيع المصور - ببضعة ألوان - أن يرسم مئات من الصور لا تشبه واحدة منها أختها، فلا معنى إذن لهذه الضجة التي يثيرها بعض إخواننا الكتاب حول اللغة ووجوب الاقتصار على المألوف من ألفاظها، وهجر المهجور منها، لأن هذا حاصل من تلقاء نفسه، والكاتب الذي يؤثر الأغراب ويلجأ إلى الميت والدارس من الألفاظ، يجني على نفسه بذلك،