واطمئنانها ورضاءها، ومحال أن تنال ما يخالف فطرتها، كما هو محال أن يكون الوجه الأسود أبيض، أو الأبيض أسود، أو الطويل قصيرًا، أو القصير طويلًا.
يسعد الإنسان إذا عرف طبيعته وحدوده التي يستطيع أن يصل إليها، ونوع الرقى الذي يمكن أن يبلغه، فان حاول أن يكون غير ذلك كان في الحياة (ممثلًا) لا يعيش عيشته الطبيعية، فهو فقير يمثل دور ملك، وصعلوك يمثل دور وزير، وطفل يمثل شيخًا هرمًا، ورجل يمثل دور امرأة، ومحال أن يوائم بين نفسه الحقيقية والدور الذي يمثله إلا بمقدار ما يظهر على المسرح، فان هو حاول أن يطيل ذلك بعد دوره فجزاؤه الهزؤبه، والسخرية منه، وقلق نفسه، واضطراب شأنه.
فأكثر أسباب اضطراب المثقف ناشئ من أنه غبي يريد أن يكون ذكيًا، أو ميال بطبعه إلى العزلة والانكماش، يريد أن يكون وجيهًا شهيرًا، أو عالم يريد أن يكون أدبيًا، أو أديب يريد أن يكون وقحًا، أو متزن نواحي العقل يريد أن يكون نابغًا شاذًا الخ. فهو يحاول، ثم يفشل ويفشل، لأنه يكلف النفس ضد طباعها، وهذا الفشل يهز نفسه هزة عنيفة تسبب له القلق الروحي والاضطراب النفسي، هو بذلك يريد أن يكون إنسانًا صناعيًا وهو مخلوق إنسانًا طبيعيًا، فالتوفيق محال، فخير نصيحة لهذا وأمثاله أن تقول له: (كن نفسك، ولا تنشُد إلا مثلك) .
أحمد أمين