صدق النعيمي في نبوءته؛ فإن جبران لم يطل تمرده، ولو طال تمرده لما كان شريفًا كالذي قلده في تمرده؛ فإن تمرد نيتشه ناشئ عن المثل الأعلى الذي وجده واتبعه، لا يثنيه ثان عنه إلا رده، ولا يحول بينه وبين مثله حائل إلا صده. أما تمرد جبران فهو تمرد تقليدي - كمن يمد لمصافحة يدًا شائكة إذا أنكره أو يدًا ملساء إذا عرفه. تمرد نيتشه لا يقبل رحمة من يشتمهم، ولا يرضى بهبة من يدعوهم أمواتًا لأنه هو الحي العظيم! أما جبران فهو يعمل لهم ويقبل صداقتهم ويبني فنه على عطفهم ومعونتهم. ولو أن نيتشه حل محل جبران وعرضت عليه - ماري هاسكل - هذه الخمسة والسبعين دولارًا هبة، فماذا كان فاعلًا؟ لكن جبران علل نفسه بأنه اليوم مستسلمًا وغدًا يتمرد ثائرًا. . وجاءت ساعة التمرد فأعلن العصيان، ثم فاء إلى منطقة السكينة الصامتة، والحياة كلها متوزعة في منطقة الصمت
ما هي العوامل التي دفعت جبران إلى السكينة بعد تلك العاصفة الهوجاء؟
ذلك ما حاول النعيمي أن يسدل عليه ستارًا فيأتي بالعوامل الخارجية التي لا يسكن إليها العقل. فجبران المتمرد قد يكون سبب سكونه أنه لم يكن داعيًا بتمرده إلى مثل أعلى تؤمن به روحه كما يذيعهيراعه. ولكن (زرادشت) الثائر في قلب جبران هو ذات (زرادشت) الذي هدأ، والذي أسماه (المصطفى) وفيه لا يزال نتيشه عرقًا حيًا ينبض في قلب جبران!
يرى (النعيمي) في المصطفى جبران الاسمي الذي بلغ بخياله ما لم يبلغه بإرادته. . . جبران الذي هو في القاع وهدأ في مكانه. جبران الساكن الذي دفن جبران المتمرد! جبران الذي رضى عن الحياة بكل ما انطوت عليه الحياة؛ وقبل الحياة المتصلة اتصال كل ذرة بذرة وكل قطرة بقطرة؛ الحياة التي لا ينفصل ألمها عن فرحها وجميلها عن قبيحها! هذه هي القمة التي بلغها جبران وأراد النعيمي من جبران أن يبلغها!
يقف النعيمي عند هذه النقطة ولا يتقدم، ويبقى القارئ مشوشًا لأنه لا يستطيع أن يصل بين حلقة التمرد وحلقة الكون؛ وقد تركهما الناقد مقطوعتين. عرف مولد التمرد ولم يعرف مولد السكينة، ولكن المحلل اليقظ يسهل عليه أن يدرك أن في (جبران المصطفى) أثرًا من روح (نعيمة الهادئ)
أما جبران الثائر فقد علمنا أنه وليد نتيشه، أما جبران الهادئ فأي (نتيشه آخر) ذهب بروحه إلى هذا الأفق.، وهداه إلى هذه الغاية؟ إن الناقد الحقيقي قد يساعد الشاعر على