يئس من الحياة، كبيت أطفئ فيه المصباح في ليل داج
وجعل يرى الشمس مشرقة، ويرى الجند جائين ذاهبين، يدلون بشاراتهم وسلاحهم، ويرى القصر قائمًا يحمل سطوة الحكومة وهيبة السلطان. . . ولكنه لا يرى من ذلك كله إلا صورًا مطموسة، تطلع عليه من خلال حلم عميق. . . ثم تضاءلت هذه الصور واختلطت، ولم يبقى قيد ناظريه إلا الكعبة، يبصرها من باب الحرم، فجعل يحرك شفتيه بالتوبة والاستغفار ويشير بسبابته إشارة التوحيد، ثم أغمض عينيه وجرفه سيل من العواطف المتباينة فغاب في ذهول عميق، ولم يعد يفكر في شيء
وجيء بالمجرم الآخر، وهو عبد أسود، ضخم الجثة، غليظ الشفتين، كثير الشعر، كأنه غول هائل، أو وحش مروع، وقد قيده الجند، وجمعوا يديه إلى عنقه وأقبلوا يمسك به ستة منهم وهو يصاولهم ويقاومهم، ويزمجر ويصرخ صراخا شديدًا، وهم يزبرونه ويقرعونه حتى انتهوا به إلى الساحة، فاجتمعوا عليه فأضجعوه على سرير من الخشب وشدوه إليه شدًا وثيقًا، وأقاموه بحيث يرى رفيقه ويبصر مقتله
وكأن العبد قد اهتجمت نفسه، وأدركه الخور، فسكت وسكت الناس وعلقوا أنفاسهم وشخصوا بأبصارهم
وجعلت أطل من الشباك أبحث عن الجلاد فلا أرى أحدًا، وأفتش عمن يتلو حكم الإعدام فلا أجده. وأرى سمو الأمير يشير بيده، فإذا عبد ضخم يبرز من بين الصفوف، وبيده سيف صقيل مسلول، فيأتي الأعرابي من ورائه وينخسه بالسيف، فينتبه ويمد عنقه مستطلعًا، فيهوي العبد بالسيف على قذاله، ثم يحز به الرأس حزّا، فلا تمضي ثوان إلا والرأس قد بتر عن الجسد، من القذال إلى أعلى الصدر، وطاح ثلاثة أمتار قبل أن تند من المقتول صرخة، ونفر الدم من عنقه كأنه نافورة، ومال الجسد قليلًا قليلًا ثم هوى، وهويت أنا قبل هويه وكفاي على عيني، ولم أعد أشعر بشيء
ولما صحوت قيل قد فاتك المشهد الهائل: قطعت يد العبد ورجله من خلاف
قلت: ويحكم، ماذا تقولون؟
قالوا: قطعت يده ورجله، ألم تتل قول الله عز وجل:
(إنَّما جَزَاءُ الذّين يُحاربُونَ الله ورَسولَه ويَسعْونَ في الأرض فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبوا أو