مرخين العنان لقلوبهم تعشق وتحب، ولرؤوسهم تحلم وتفكر. إن هؤلاء الأبطال لا يعيشون في غير أسطر ضمت في كتاب أو على خشبة مسرح يتقمص أفعالهم الممثلون
لست هنا في معرض دعوى أدافع بها مطالبًا بحكم على هذه الآداب الكلاسيكية، فأني من أكثر الناس حبًا لها وإعجابًا بها وبكل ما هو رائع وجميل، بل أقول إن الأدب لم يشهد منذ الإغريق الأقدمين عهدًا رائعًا مثل عهد هذه الآداب. ولرب قائل يقول: إن هؤلاء الملوك والملكات وهؤلاء الأمراء والكبراء الذين لا تخلو منهم رواية مسرحية ألفت في القرن السابع عشر هم الذين ينبو عنهم ذوقنا؛ واكبر ظني أن ليس هناك أحد يستسيغ الحديث عن أناس نسبت إليهم أفعال حميدة وكلام مزوق معسول، وقد جعلوا في جو من الأبهة والملك يشفعان لهم إذا لم يأت كل ما نسب إليهم مطابقًا للواقع صادرًا عن ميولهم ومجرد احساساتهم؛ وإذا استساغ البعض حديثًا من هذا النوع فانهم لا يجدون فيه صورة منقولة عن عالم الأحياء الذي يعيشون فيه. فليس كل من يدبون على الأرض مترفين ولا أصحاب امتيازات
لعمري أن آدابنًا تلك سمتها لا تعبأ بغير هذا النمط من الناس ولا تهتم بغير الرؤوس والقلوب منهم، لا يرجى لهم مستقبل تأمن فيه من أن تزل قدمها فتهوي إلى أعماق البحر الذي تمشي على شطآنه
إن الآداب والفنون إذا لم تكن مرآة للحياة وصدى للحقيقة فأنها أشياء مصطنعة لا تلبث أن تفقد قيمتها، وإننا إذ استثنينًا الآداب اللاتينية لا نجد آدابًا أوربية أخرى أكثر من الفرنسية إيغالًا في الخيال وتعلقًا به، ما تزال إلى الآن تعتمد عليه اعتمادًا كبيرًا. إن الآداب لا تسمو ولا تقوى ولا تتجدد إلا بالمقدار الذي تستمده من الشعب الذي يعتبر بحق دعامة المجتمع وأساس بنيانه، وما أشبه حال الأدب ببطل الأسطورة الإغريقية ذات المغزى البليغ التي تحكي أن أنتيوس يفقد قواه وتفل عزيمته كلما ارتفعت رجلاه على عن أن تمس الأرض
يتساءلون عن الكاتب الذي غذى الآداب الفرنسية في غضون القرن الثامن عشر وجدد في حيوتها! ليس هو فولتير ولا هو مونتسكيو على عبقريتهما وما قدماه لهذه الآداب من البدائع. إن هذا الكاتب رجل خرج من بين الرعاع لا حسب له ولا نسب: هو ديدرو وهو روسو