فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن الناس من يؤمن بالقرآن ويتلوه، ولكن من غير تدبر وفقه في معانيه، ومن غير اعتبار وخشية، ومن كان هذا ديدنه، وهو لم يتلُ كتاب الله حق تلاوته، وفعله أشبه بفعل اليهود، الذين ذمهم الله بقوله:"لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وإن هم إلا يظنون"قال أهل التفسير:"أي يتلونه تلاوة مُجرّدة، عن الفهم والعمل."
أحبتي في الله: لقد تعددت صور تقصيرنا في تلاوة كتاب الله، فمنا مَن يقرأ القرآن وكأنه يقرأ كلام بشرٍ مثله، ومنا من يقرأ وكأن المخاطب أحدًا غيره، وبعضنا يقرأ القرآن وهو ساهٍ لاهٍ غافل القلب، وأصبح كثير منا يقرأ القرآن وهمه الوصول إلى آخر السورة أو الجزء.
كان سلفنا - رضوان الله عليهم أجمعين - آية واحدة تُمرضهم، وآية واحدة تقض مضاجعهم، أما نحن فيُقرأ علينا كتاب ربنا من أوله إلى آخره، من فاتحته لخاتمته، فلا يُحرك في القلوب ساكنًا.
التفكر في كتاب الله، باب مفتوح بين العبد وبين ربه، ما لم يقفله العبد بفعله، قال الحسن البصري - رحمه الله:"تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الزكاة، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتم وإلاّ فاعلموا أن الباب مُغلق".
التفكر براءة من النفاق، وفكاك من أسر الهوى، وجسر يصل به العبد مولاه، وما أعده الله من النعيم المقيم.
التفكر لكلام الله أشرف ما يخطر بالبال، وأطهر ما يصل إلى القلب، وأسمى ما يتعلق به العقل الواعي.
يُحيي نفوس الناس ويكشف عنها العناء.
هنالك من الناس من يذكرون الله، ولكنهم لا يفهمون معنى الذِكر، فتصبح قلوبهم بعيدة من استشعار جلال الله، وقدره حق قدره.
فإن سألتْ: كيف نصل إلى فهم بلاغة القرآن، ومعرفة حِكَمه؟ وكيف نصل إلى معرفة الدقائق في التفسير، واللطائف في التأويل؟
فالجواب: قال العلماء: إن مآخذ التفسير خمسة: القرآن ثم السنة ثم أقوال الصحابة والسلف المأخذ الخامس التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمقتضى من قوة الشرع، أي ما يُفهم من اللغة ومن الشرع بلطيف الدلالة، ودقيق المعنى، وما ينقدح في النفس عند سماع الآية مُستندًا على الدليل.
قالوا: وهذا النوع هو الذي دعا به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -لابن عباس-رضي الله عنه - بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ، وهو الذي عناه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بقوله: (إلا فهما يؤتيه الله تعالى رجلا في كتابه) عندما سُئل: هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بشيء؟
فإن قلتَ: ما علامة صحة التفسير بالرأي والاجتهاد، وصواب الحِكَم والدقائق واللطائف المُستنبطة من الآيات، وكيف نُميّز ما يصح منها وما لا يصح؟
فالجواب: لابد لهذا من شروط خمسة:
أولها: الموافقة للسان العربي، فإن كان التفسير لم يشهد له اللسان العربي، فهو تفسير باطل؛ لأن القرآن نزل بلسان العرب، وعلى أساليب بلاغتهم ووصفه الله بذلك، في قوله تعالى:"لسانُ الذي يُلحدون إليه أعجمي، وهذا لسانٌ عربي مُبين".
ومن هنا نعرف بطلان القول: بأنه يوجد في القرآن أسرار لا يعرفها إلا أشخاص بأعيانهم، يُزعم أنهم من الخواص، أو أنهم من الأولياء، يقولون في القرآن بهواهم وأذواقهم.
ويُعرف كذلك بطلان الاعتماد على التفسير المبني على كل ما يُخالف لسان العرب ولم يكن معهودا عندهم، مثل حساب الجُمل، ومثل الرمز الذي لا يرتبط بلغة صحيحة، كقول بعضهم:"المر"معناها: أنا الله الرحمن الرحيم.
الشرط الثاني: أن يكون للتفسير شاهد من الشرع يدل عليه، فإن كان مخالفًا للشرع يُعد مردودا على صاحبه، وإن من قواعد التفسير المعلومة: أن من شرط صحة التفسير بالرأي والاجتهاد، ألا يُخالف التفسير بالمأثور.
فإذا قلنا في الآية: الحكمة كذا وكذا، أو المقصد منها كذا، ولم يشهد لهذا نص أو قاعدة عامة أو خاصة فلا يُقبل هذا القول.
الشرط الثالث: ألا يُخالف التفسير تفسير جمع علماء السلف، ولا يُضاد منهجهم في فهم الذين، فهم أعلم هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن مُلزمون باتباع منهجهم، ونحن نقول في كل صلاة:"اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم"والمنعم عليهم من هذه الأمة هم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والصحابة بشهادة الله تعالى لهم.
(يُتْبَعُ)