فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهذه البركة في العلم ليست مطلقة يدعيها من شاء ويقول بها ما شاء، بل إن الإنسان كلما كان للشرع أطوع، وللنبي صلى الله عليه وسلم أتبع كان فهمه وعلمه أقرب وأعمق.
فإن سألت: ما هو أفضل الطرق للكشف عن معاني التنزيل ومعرفة أسرار التأويل والوقوف على حقائق الألفاظ؟
فالجواب: أن أحسن ما يُعرف به كلام الله هو كلام الله، وأقرب ما يُفسر به القرآن هو القرآن، فما أجمله الله في آية أوضحه في أخرى، وقد يكون هذا إيضاحًا متصلًا به وقد يكون منفصلًا عنه.
فمن الأول يقول سبحانه:"ويل للمطففين"ثم قال تفسيرا لها:"الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون"وكقوله تعالى:"الله الصمد"قال محمد بن كعب القُرضي:"تفسيره"لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد"."
ومن البيان المنفصل أنه قال في سورة الفاتحة:"مالك يوم الدين"وبينه في سورة الانفطار بقوله:"وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين. يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذٍ لله".
فإن لم يهتد للتفسير في القرآن، فعليك بكلام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو أعرف الناس بكلام الله عز وجل، وهو القائم على بيانه كما قال سبحانه:"وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزّل إليهم"قال الإمام الشافعي - رحمه الله:"كل ما حكم به رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو مما فهمه من القرآن."
فإن لم تجد في كلام الله ولا كلام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تفسيرًا، فنقدم كلام أصحاب النبي- صلى الله عليه وآله وسلم -، فهم أفقه هذه الأمة وأعلمها، وأولى من جهة التنزيل، ومن جهة اللسان، ومن جهة الخشية والتقوى، ومن جهة السماع، ومن بعد الصحابة التابعون.
فإن سألت: فإن لم يوجد تفسيرٌ بالمأثور، لا من الكتاب والسنة ولا من أقوال الصحابة والتابعين، فهل يجوز أن نذكر قولًا في معنى آية أو بيان حكمه أو استخراج لطيفة أو بيان دقائق ذلك بما لم يكن منقولًا بنصه عن السابقين؟
فالجواب عن ذلك: أن الكلام على معاني الآيات على نوعين:
نوع لا يُستغنى فيه عن النقل مثل: أسباب النزول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، أو تخصيص عموم آية بآية أخرى أو الجزم بمعنى مُعيّن دون غيره مما يحتمله اللفظ.
وأما النوع الثاني: وهو مما يقبل الاجتهاد الصحيح من غير الأمور المذكورة فلا يُشترط فيه أن يكون منصوصًا عليه في الشرع، فهو باب واسع، ورزق سائغ للمتأهلين من ذوي العلم إلى يوم الدين، قال بعض السلف:"للقرآن نزول وتنزل، فالنزول قد انقضى، وأما التنزل فهو باقٍ إلى يوم القيامة."
وفي الحديث الذي رُوي مرفوعًا وموقوفًا والصحيح وقفه: أنه الذكر الحكيم الذي لا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه.
الحلقة الثانية:
في هذه الحلقة نواصل الحديث عن التدبر لكلام الله تعالى، ونُبيّن أقسام الناس منه، وكيف نتعرف على الأقوال الصحيحة في معاني الآيات وحِكَم التفسير ودقائقه.
قال الله تعالى في سورة الفرقان:"وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا"قال أهل التفسير:"والهجر للقرآن على مراتب أربع: هجر للإيمان به، وهجر للفهم والتدبر، وهجرٌ للقراءة والترتيل، وهجر للعمل انتهى."
والناس على أقسام أربعة من كتاب الله تعالى:
فمن الناس من يتلو كلام الله حق تلاوته ويتدبره ويعمل به، فهؤلاء هم السعداء حقًا - جعلنا الله منهم - وهؤلاء هم المؤمنون حقا، الذين يتلونه حق تلاوته.
ومن الناس من لا يؤمن به أصلا ولا يلتفت إليه، فلم يقرأه وينظر إليه، وإن قرأه وتفهمه فمن غير إيمان وتصديق ولو أُعجب به كما قال المشرك الجاهلي الأول: سجدت لفصاحته، وكما قال أحد أرباب الشعر الحديث: إنما أُؤمن من القرآن ببلاغته وفصاحته.
فهؤلاء قد توعدهم الله بأشد الوعيد، وبشّرهم بالذلة والعذاب يوم الدين، و قبل ذلك بشرهم الله بالخزي والضنك في الدنيا، قال الله سبحانه:"ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا"أي في الدنيا
"ونحشره يوم القيامة أعمى".
ومن الناس: من يؤمن بالقرآن، ولكنه لا يتلوه ولا يقرأه إلا نذرا يسيرا، وهذا -والله- هجر عظيم للقرآن، وخذلان عظيم.
(يُتْبَعُ)