فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الأول: أن المدح قد يحصل للحي وغير الحي، فأنتَ تقول للبستان الأنيق: مدحته. ولا تقول: حمدته ألبته، والحمد أيضا: يتعلق بالإشارة إلى إحسان المحمود عندك، وهذا ما لا يتضمنه لفظ المدح، وثالثًا: أن المدح قد يكون بحق أو بغير حق ولهذا نهي عن كثير منه، بخلاف الحمد فإنه لم يأتِ في الشرع إلا وله معنى لائق ودلالة صحيحة.
وأما الفرق بين الحمد والشكر، فإن معنى الشكر فيه قصور عن معنى الحمد؛ لأن الشكر لا يكون إلا لأجل إحسان وصل إليكَ أنتَ بشخصك، بخلاف الحمد فهو شكر عام وصل إليكَ أم وصل إلى غيرك، وهذا هو المنطق.
وأيضًا: لم يقل في الآية الكريمة: أحمد الله. وإنما قال:"الحمد لله". لماذا؟ وما الفرق بينهما؟
قالوا: إن عبارة"الحمد لله"أجود، وتدل على معان أعظم؛ لأن القائل لو قال: أحمد الله. لأخبر بذلك عن نفسه فقط، ولفُهم منه أنه قادر على حمده. وأما لو قال:"الحمد لله"ففي هذه العبارة إيضاح أن الله محمود في الأزل وفي الأبد، حمده الحامدون أو لم يحمدوه. ولفظ"الحمد"يُنبئ عن استحقاق الله له سبحانه أي للحمد، بخلاف لفظ (أحمد) فلا تدل على الملكية والاستحقاق.
ونحن إذا تأملنا قول الله تعالى:"الحمد لله". جزمنا أن لفظ الحمد الذي جاء في القرآن هو أكمل العبارات، وهو أفضل الصيغ التي يُمكن أن تُعبر عن الثناء الجميل للمُنعم سبحانه، كيف يكون هذا؟
لنتأمل ونُركز النظر!!
"الحمدُ"جاءت أولًا مُعرفة بألف ولام، وهذه تُسمى (أل) التي لاستغراق الجنس، وهي تدل على معنى كل، ومعنى جميع، يعني: جميع المحامد، وكل المحامد فالحمد لله توازي قولك كل حمد لله. هذه واحدة.
وثانيا:"الحمد لله"جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الاستمرار والدوام، فلفظ"الحمد"يُنبئ عن استمرار الحمد لله في كل آن وفي كل زمان، وهذا هو عين الصواب وعين الحكمة؛ فإن مقتضى الحكمة أن يظل الخالق سبحانه محمودًا، وأن يظل العبد حامدًا شاكرًا، قال ابن أبي الصلت:
الحمد لله حمدًا لا انقطاع له ... فليس إحسانه عنا بمقطوع
وثالثًا: قال الله سبحانه:"الحمدُ"بالرفع، ولم يقل: الحمدَ بالنصب، وفرق بين الاثنين، قال سيبويه: أن الذي يرفع الحمد؛ يُخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق، وأن الذي ينصب يُخبر أن الحمد منه وحده لله تعالى.
يتلخص أن لفظ"الحمدُ"دلنا على ثلاثة أشياء في الحمد:- الأول: أن كل حمد لله وليس حمدًا دون حمد. الثاني: أن هذا الحمد مستمر لا ينقطع ألبته. الثالث: أن هذا الحمد يجب أن يكون من كل مخلوق.
ننتقل إلى لفظ الجلالة"الله":
قال سبحانه:"الحمد لله"ماذا يعني هذا؟
يعني أن جميع المحامد مستحقة لله وحده، فلا يستحق الحمد حقيقة غير الله. كيف عرفنا هذا من اللفظ؟
(أل) في لفظ (الحمد) تدل على استغراق كل حمد -كما مرّ- واللام في لفظ الجلالة (لله) هي للاختصاص، أي: تُفيد حصر الحمد في ذات الله.
فقول (الحمد لله) يستلزم انحصار أفراد الحمد كلها في اسم الله تعالى؛ لأنه إذا اختص الجنس اختصت الأفراد، ولو فرض أن فردًا من أفراد الحمد استحقه غير الله لتحقق الجنس في ضمنه، ولما صح دخول لام الاختصاص عل لفظ الجلالة.
فإن قيلَ: ألا يستحق غير الله الحمد؟
قلنا: لا يستحق حقيقة الحمد إلا الله وحده، ولا يستحق الحمد حقيقة إلا الله سبحانه، يعني: لا يخلص الحمد لغير الله، ولا يكمل إلا لله. وهذا المعنى لا ينفي أن نشكر مَن أسدى إلينا المعروف، وأن نحمد الناس على جميل صفاتهم وحُسن أفعالهم، ولكن ينبغي أن نتيقظ لمسألة مهمة، وهي غاية في الدقة، وهذه المسألة: أن كل مَن استحق الحمد من البشر فإن الحمد له ناقص، وأن الحمد له موصول بحمد الله؛ لأننا إن حمدناهم على عمل صالح فإن الذي وفقهم هو الله، وإن حمدناهم على إحسان ومعروف فإن الدافع له هو الثواب من الله، فآل الحمد كله لله.
"الحمد لله"كلمتان خفيفتان في اللسان، قليلتان في الحروف والألفاظ، ولكنهما عظيمتان جدًا في المعنى والمضمون، وثقيلتان جدًا في الميزان عند الله.
"الحمد لله"افتتح الله بها كتابه العزيز - القرآن الكريم - وهذا الافتتاح له دلالات عظيمة، من دلالاته: الإشارة إلى أن القرآن هو أعظم النعم وأجل الهبات الربانية للبشر؛ ولهذا أوجب أن يُستفتح بالمدح والثناء لله والتحميد والتمجيد لمُنزل القرآن صاحب النعمة.
(يُتْبَعُ)