فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 22323 من 53113

القرآن هو كلام الله وذكره سبحانه، وهو حبل الله الذي يصل العباد بربهم؛ فيُذكرهم بفضله وآلائه، و"الحمد لله"هو أول شعور يجيش في قلب الإنسان عند ذكر الله وعند تذكر آلائه ونعمه.

"الحمد لله"€€افتتح الله بها كتابه قولا وثناءً منه سبحانه لنفسه، إذ لا يُمكن أن يبلغ حمده حقيقة إلا نفسه. قال الإمام القرطبي رحمه الله: معنى:"الحمد لله رب العالمين"أي: سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين. وقيل: لمّا علم سبحانه عجز عباده عن حمده حَمَدَ نفسه بنفسِه، ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله: (لا أُحصي ثناءً عليك) . وأنشدوا:

إذا نحن أثنينا عليكَ بصالحٍ ... فأنتَ كما نثني وفوق الذي نثني

"الحمد لله"افتتح الله بها كتابه، وهذا تنبيه لنا أن نحمده سبحانه بما حمَدَ به نفسه. قال الإمام الطبري رحمه الله:"الحمد لله"ثناء أثنى الله به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يُثنوا عليه، كأنه قال: قولوا الحمد لله، وههنا لطيفة ينبغي أن تستوقفنا، وينبغي أن نشكر الله تعالى ونحمده عليها. هذه الطيفة: أن الله سبحانه من حكمته ورحمته بنا أن جمع لنا غاية الحمد والثناء عليه في كلمتين اثنتين (الحمد لله) ورضي لنا في هذه العبارة المختصرة أن تقوم مقام الشكر له والثناء عليه

كيف لو أوكل الله لنا الحمد؟

لو وقف الواحد منّا أمام عظيم من عظماء الدنيا، لعجز أن يثني عليه بالحق أو بالباطل، ولتكلف من الكلام الطويل ومن العبارات المُنمقة، وربما نظم القصائد ودبج الخطب. فكيف يبلغ الحمد لله وهو ولي كل نعمة وصاحب كل مزية؟!

"الحمد لله"تعليم من الله لنا أن نستفتح عملنا بالحمد، كلامنا بالحمد، كتبنا بالحمد، خطبنا بالحمد، وقد فهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان في جميع أحواله حامدا لله، وفهم المسلمون ذلك قاطبة، ولهذا كل خطبة لم تبتدئ بحمد الله فهي خطبة جذماء عندهم، وقد لقبوا خطبة زياد بن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بـ (البتراء) ؛ لأنه لم يفتتحها بالحمد.

"الحمد لله"ذكر وفكر، عقيدة وشعور وعمل، هي ليست حروف تُلفظ وأقوال تُردد، وهي ليست عقيدة مُكتنزة لا عمل معها، قال بعض السلف في تفسير"الحمد": هو على ثلاثة أوجه:

أولها: إذا أعطاكَ الله شيئًا، تعرف مَن أعطاك. والثاني: أن ترضى بما أعطاك. والثالث: ما دامت قوته في جسدك، ألا تعصيه. فهذه شرائط الحمد. انتهى.

اللهم لكَ الحمد حتى ترضى، ولكَ الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى، اللهم لك الحمد مثل ما نقول، ولك الحمد فوق ما نقول، لا نُحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيت على نفسك.

الحلقة السادسة:

الحمد هو الثناء كله لله تعالى وليس لغيره، وهذا الثناء يكون لله تعالى لجليل صفاته وعظيم أفعاله الدائرة بين العبد والفضل، وقد كان موضوع الحلقة السابقة: الكشف عن دلالات كلمة (الحمد لله) ، وما تحويه من إشارات ولطائف ودقائق.

وقد خلصنا إلى أن هذه الكلمة العظيمة والآية الكريمة لا يوازيها كلمة في شكر الله، وأن"الحمد لله"هو أفضل ما ينبغي أن يُحمد به الله، وليس لفظ يوازيه في المعنى أبدًا، وقد توصلنا إلى ذلك من خلال الدلالة اللغوية والأسلوب البلاغي العربي، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الحمد لله تملأ الميزان"فهذا نص في أن هذه الكلمة قد بلغت الغاية في الأجر والثواب حتى ملأت الميزان، وما كانت تكون كذلك إلا لأنها قد بلغت الغاية في الثناء على الله والشكر له، فهذا من دلالة لحن الحديث وفحواه.

وقد روي عن بعض السلف رحمهم الله أنه قد ضاع له مال أو متاع فأقسم بالله تعالى إن وجد ضيعته تلك، أن يحمده بقولٍ لم يُحمد الله بمثله، ثم وجد ضيعته تلك فما كان منه إلا أن قال: الحمد لله، فقال له أصحابه: إنكَ قد قُلتَ إن رد الله لك ضيعتك لتحمدنه بقول لم يُحمد بمثله، وإنك لم تقل سوى: الحمد لله؟!! فقال هذا الرجل - وقد كان فقيهًا رحمه الله - كلمة فيها بلاغة عظيمة وهي حق محض، ماذا قال؟ قال: وهل مثل الحمد لله حمد. ونحن نقول: نعم ليس مثل الحمد لله حمد.

ننتقل إلى تفسير قوله سبحانه:"رب العالمين".

الرب هو: السيد، والرب هو: المُصلح والمُدبر والجابر، يُقال لمن قام بإصلاح شيء وأقامه: هو ربٌ له، والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل.

ماذا نستفيد من قوله تعالى:"رب العالمين"؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت