فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وفي قوله سبحانه"وآتى المال على حبه"التقرير بأن حب المال أمر فطري، وأن النفس مجبولة عليه، وفيه أن إعطاء الصدقة في حال الشح والفقر أفضل من إعطائها في حال المرض والغنى.
وفي قوله سبحانه"ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب"ترتيب لأهل المصارف بحسب حاجتهم، وتقديم بعضهم بحسب أحقيتهم في الصدقة وفي الإنفاق.
فهو أولًا قدّم ذوي القربى؛ لكونهم أحق الناس بالمعروف، ولكون الإنفاق عليهم يجمع بين الصلة والصدقة، ثم عقبهم باليتامى، واليتيم: وهو أحق من سائر الفقراء؛ لكون اليتيم مع فقره وحاجته لا كاسب له فهو منقطع عن الأسباب، ثم ذكر المساكين وهم: مَن أسكنتهم الحاجة وفقرهم فقر تام، ثم ابن السبيل، وهو المنقطع عن ماله فهو فقير من وجه لا من كل الوجوه، ثم جاء بعدهم ذكر السائلين، والسائل قد يكون من الفقراء حقًا وقد لا يكون، وأخّر ذكر الرقاب؛ لكونهم لهم أرباب يعولونهم.
واختلف العلماء في المراد بقوله:"وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب"هل هي الزكاة المفروضة أم هي غيرها؟
والصواب أنها غيرها بل هي صدقة والدليل عليه أن الله جل ذكره ذكر الزكاة عقب هذا الموضع قال:"وأقام الصلاة وآتى الزكاة"بعد قوله:"وآتى المال على حبه"ومن حق المعطوف والمعطوف عليه التغاير والتباين.
وفي قوله سبحانه"آتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى"تجويز إعطاء القريب واليتيم من المال ومن صدقة التطوع ولو كانا غنيين، قال أهل العلم: يُعطى القريب بحكم القرابة والهدية، ويُعطى اليتيم بحكم التحنن والصلة لليُتم.
وفي قوله سبحانه:"وفي الرقاب"نكتة ولطيفة!! جاء بكلمة (في) هنا ولم يُذكر عند غيرهم من أنواع المصارف. قال:"وفي الرقاب"ولم يقل: في ذوي القربى وفي اليتامى. لماذا؟
قيل: الحكمة في ذلك هي أن المال الذي يُصرف لأهل هذه الجهة (الرقاب المملوكة) لا يُقصد به تمليكهم، بل هو لتخليص رقابهم من الرق، لا لتمليكم فهم ليسوا من أهل التمليك.
وفي قوله سبحانه:"والصابرين"نكتة عجيبة! ما قبله مرفوع وهو منصوب قال:"الموفون بعهدهم"ثم قال:"الصابرين"غيّر إعرابه إلى النصب، تنبيهًا إلى مزية الصبر .. قال أهل النحو: الصابرين منصوب على الاختصاص، والتقدير: أخص الصابرين بالذكر.
لماذا خصهم؟
قيل: لأن الصبر تتجمع فيه جميع الفضائل، وهو منشأ كل فضيلة، فكان له إعراب مختلف كأنه هو شيء مُستقل واحد وجميع الفضائل غيره شيء واحد.
وقال:"والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس"قيل: البأساء الفقر، والضراء المرض، وحين البأس القتال، وقد رتبهم سبحانه في الذكر بحسب التدرج، قال الألوسي - رحمه الله: هذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد، لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر، والصبر على القتال فوق الصبر على المرض.
وفي قوله سبحانه:"كُتب عليكم القصاص"الإشارة على أن فريضة القصاص فريضة لازمة، وحتم واجب لابد منه، وقد دل على ذلك قوله:"كُتب"وقوله:"عليكم".
وفي قوله سبحانه:"عليكم"حكم يعم مجموع الأمة، ويدخل فيه أولياء القاتل، ويدخل فيه القاتل نفسه، ففيه دلالة على أنه يجب عليهم تمكين أولياء الدم من القصاص.
وفي قوله سبحانه:"القصاص"الإيماء إلى علة الحكم، وأن قتل القاتل إنما شُرع لقصد العدل والمماءلة والمساواة الحقة.
وفي قوله سبحانه:"القصاص"إشارة إلى أن قتل القاتل ينبغي أن يكون بمثل الصفة التي قَتَل بها المقتول، قال أهل اللغة: القصاص: هو المماثلة، ومنه القِصة كأنه يُماثل المحكي، واقتص أثره: أي اتبعه، ومنه قوله تعالى:"وقالت لأخته قصيه".
وفي قوله سبحانه:"فمَن عُفي له من أخيه شيء"إشارة بديعة إلى أن العفو الصادر من أولياء الدم يُسقط القَوَد ولو من أحدهم، قال الله:"فمَن عُفي له من أخيه شيء"ولم يقل سبحانه: فمَن عفا له أخوه. قال الراغب: العدول إلى ذلك للطيفة وهي: أنه لا فرق بين أن يكون صاحب الدم قد عفا أو جماعة فعفا أحدهم، حيث القصاص يبطل ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال:"فمن عُفي له من أخيه شيء"ليدل على هذا المعنى.
(يُتْبَعُ)