فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ما أظرفه خطيبا - وإنما ظَرْفُ هذه الأمة في لسانها - حاضر البديهة، لا تفلته النكتة، ولا تعجزه الملحة، حاد الصوت عميق نبوعه سليم مخارجه منغوم صفاته، قصير الجمل، عربي اللغة، واضح الأفكار مرتبها متدفقها، قرآني الأسلوب، نبوي الأناة! وما أطربه حين حدثنا أن عجوزا أعجمية - ربما كانت من المستعربين حديثا - استوقفته مرة لتعبر له عن راحتها لخطابته الواضحة!
لولا خطابته بمسجد عمرو بن العاص بالقاهرة (أقدم مساجد أفريقيا) ، خطبة الجمعة، ومجلسه بعدها، وكلمته بين التراويح في ليالي رمضان التي كان يؤم المسجد فيها مئات الآلاف - لذهب نصف ما انبعث للمسجد من صيت! خطيب موهوب واع مجدد لا يشغل الناس بما لا يفيدهم عما يتعلق به وجودهم ولا يجمد لهم فيما بعد الاستراحة على ما كان قبلها فيُمِلّهم، حَيَويّ المنهج غير منقطع إلى القديم ولا منقطع عنه بل مازج مزجا عجيبا بين القديم والحديث والطموح إلى المستقبل! لن أجد مثل بركة مجلسه ذلك المهيب بالمسجد بعد الجمعة، وقد حَضَرَه رَجُلٌ ليُسْلِم على يديه، فقال له: اغتسلت؟ قال: نعم. قال: هيا اشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! فشهد الرجل، فكَبَّر الحاضرون، فكفكف من صخب تكبيرهم قائلا: ما لكم! ما لكم! الله أكبر دائما!
وما أصدق العامة في التعبير عن نعمة الله - سبحانه، وتعالى! - به عليهم! ذَهَبْتُ أوائلَ تسعينيّات القرن الميلادي العشرين، أعزي أستاذنا الدكتور سعد مصلوح عن وفاة زوجته، فإذا وفد المعزين كامل العَدَد، فيه الكبار والصغار، الأساتذة والطلاب، وإذا سرادق العزاء كامل العُدَد، فيه الخشب والقماش والمصابيح والمكبرات، وفيه قارئ القرآن، وفيه واعظ المُعَزّين! قرأ القارئ شيئا من كتاب الله، ثم قام الواعظ، فإذا هو من جهلة الوعاظ وسخفائهم، يهذي بكلام لا يقبله لا عقلاء ولا مجانين، ولا مؤمنون ولا جاحدون، وبجانبي أستاذنا الدكتور محمد عبد المجيد الطويل يَرُدُّ سَخافاته واحدة واحدة لا يسمعه غيري ولا يعلم إلا الله كيف كَظَمْتُ ضَحِكي! نصح الدكتور إسماعيل سالم للواعظ أن يكتفي! فلم ينتصح، بل أفرط، فوقف له الدكتور إسماعيل، ونهره، فارتدع: وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم! ولَمّا يستوفِ العزاءُ مَوْعِظَتَه؛ فاستوى في مكانه فجأة أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين، فتدفق ارتجالا بسلسبيل فتوحاته، فسالت بتخاريف ذلك الواعظ المستأجر، حتى جاء شيخ هرم لا أعرفه إلى أستاذنا الدكتور سعد مصلوح يهنئه: الله! يا دكتور سعد! أرأيت كم يُحِبُّها رَبُّنا! أرأيت كيف يَسَّرَ للوَعْظِ في عزائها الدكتور عبد الصبور شاهين!
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ!
ما أَبَرَّ إشارته إلى فضل أبويه عليه، في إهداء كتابه ' أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي '، قائلا: ' إلى والديَّ في برزخهما بعدما غَرَسا فيَّ حياتهما، غَمَرَهما الله بالرحمة والرضوان؛ ' كما رَبَّياني صَغيرًا '! عبد الصبور '. ولقد يكفي في الدلالة على بِرِّ ما بين الوالدين وابنهما، حفظُه القرآن الكريم وهو دون العاشرة؛ فإنه تاج كرامتهما في الآخرة، وتاج رقي درجته في الدنيا والآخرة. ولولا كرامة والدي حافظ القرآن، لم يكن سبيل إلى مكافأة فضلهما، إلا بأن ينجب مثلما أنجبا، ويُفْضِل على أبنائه مثلما أَفْضَلا، لتستمر سبيل ذلك حتى يرث الله - سبحانه، وتعالى! - الأرض ومن عليها. ولقد فهم أستاذنا ذلك، وسعى في سبيله، حتى قال في إهداء كتابه ' العربية لغة العلوم والتقنية ': ' إلى أولادي: محمد عمرو، وهشام، ومروان، وأميرة، ولبنى - آملا أن تكونوا بسبب من العلم النافع، وداعيا أن تكون ثمرته فيكم نعمة العلم بالله، وشرف العمل الذي ينفع الناس - دعوة كانت من جدكم لأبيكم في قبلة الأزهر الشريف، ثم ها أنتم أولاء أورثتموها؛ الحمد لله! عبد الصبور '. فسبيل العلم النافع الممهدة، متصلة من والد أستاذنا إلى أبنائه، محروسة باليقين والإخلاص والإتقان والثبات والرضا.
وكما أَيَّدَتْ والدَه فيما سبق والدتُه، أَيَّدَتْهُ زَوْجَتُه؛ فلم يكن لينسى فضلها عليه، بل تَحَبَّبَ إليها في إهداء كتابه ' القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث '، قائلا: ' إلى زوجتي، وفاء بحقها، وعرفانا بفضلها، وإني لأحس في أعماقي أن ما منحتنيه من عون ورعاية، هو مثال تأتسي به بنات حواء، من رافقت منهن أحدا من العلماء أو الباحثين '. ولم يكن الودود - سبحانه، وتعالى! - ليخيب مسعاهما، بل أنبت لهما أبناءهما نباتا حسنا، وجعلهما بهجتهما الدائمة، وعونهما الحاضر، حتى لَيَعْتَمِدُ على بعضهم، في بعض أعماله الخاصة، قائلا في أوائل ترجمته لكتاب ' علم الأصوات '، لبرتيل مالمبرج: ' يسجل المُعَرِّبُ الوالِدُ شكره خالصا لابنته الآنسة أميرة الطالبة بكلية الطب جامعة القاهرة، على إنجازها الممتاز لما حفل به الكتاب من رسوم إيضاحية '، غير مستغن عن أن يعيد ذلك في أواخرها، قائلا في إطار مزخرف: ' أنجزت هذه الرسوم والأشكال الإيضاحية، الآنسة أميرة عبد الصبور شاهين، وأضافت إليها رسما إيضاحيا للأذن وأجزائها السمعية، هو الذي يجده القارئ ملونا على غلاف الكتاب، كما يجده ملحقا بدراسة الأذن ص40 - 41، دون أن يأخذ رقما مسلسلا بين رسوم الكتاب '!
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ، وَلَمْ يَحْرِمْنا أَجْرَه، وَلَمْ يَفْتِنّا بَعْدَه!
آمين!
(يُتْبَعُ)