130 -حدثنا محمد ، قال: أخبرنا أبو عبيد ثنا ابن أبي مريم ، عن عبد الجبار بن عمرو ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، قال: « لو أن رجلا دخل نهرا فاغتسل فيه ، وهو لا يتعمد غسل الجنابة (1) لم يجزه ذلك حتى يتعمده » قال: « وإن صلى رأيت أن يعيد » قال أبو عبيد: وهكذا كان رأي الليث بن سعد ، وهو قول مالك بن أنس قال: لا يجزيه وعليه الغسل ، قال: وإن أصابته جنابة ، وهو لا يشعر فتيمم ، يريد الوضوء وصلى ، ثم علم بالجنابة ، لم يجزه ذلك التيمم ، حتى يتيمم متعمدا للجنابة ، ويعيد صلاته . وقال الكوفيون من أصحاب الرأي: الوضوء والغسل جائزان ، وإن لم يكن هناك نية ، ولا أحسبه إلا قول سفيان . واحتجوا في ذلك ومن احتج لهم بأحاديث ورأي . فمن الحديث: ما جاء عن عبد الله بن مسعود ، وإبراهيم ، وعلي بن حسين في الجنب: أن ما مس الماء من جسده فقد طهر . وحجتهم من الرأي ، قالوا: الماء هو الطهور نفسه ، فإذا مس الجلد ، فقد قضى عن صاحبه ما وجب عليه ، فما حاجته إلى النية وقال بعضهم: إنما هذا الرجل أصاب جسده أو ثوبه أذى من عذرة أو بول أو دم فغسله غاسل سواه ، فهو مجزيه عند الأمة كلها ، وإن لم يكن له فيه نية ، فكذلك الوضوء والغسل . قال: وهكذا أيضا لو أن رجلا أبى أن يتوضأ فأخذه قوم فغسلوا مواضع الوضوء منه بأيديهم على الكره منه ، كان ذلك مطهر ، وقال بعض من يوافقهم: إنما الواجب في الوضوء والغسل الدينونة ، لأن الله D قد فرضه على العباد لا على نية تحدد عند التطهر به ، فإذا مس الماء البشرة فقد طهرت ، ثم لا ينقض ذلك إلا حدث . وقال أهل الرأي أيضا: إنما هذه السعة في الماء خاصة ، فأما التيمم فلا يكون أبدا إلا بالنية ، فلو علم رجل رجلا التيمم ما أجزأه حتى ينويه ، وكذلك الصلاة ، ينوي بها التطوع ، ثم يريد أن يحولها إلى المكتوبة ، هي غير جازية عنه أبدا ، وهكذا الزكاة على هذا الذي اقتصصنا لأهل العراق . قال أبو عبيد: وإن الذي يختار من هذا الباب الأخذ بقول أهل الحجاز ، فلا نرى أحدا من الناس تتم له طهارة في وضوء ولا غسل إلا بالتعمد له ، والقصد إليه بالنية والقلب ، وذلك لحجج من التنزيل والآثار والنظر ، فمن التنزيل: قول الله ، تعالى ذكره علوا كبيرا: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (2) ، فأخبر أنه تبارك وتعالى يسأل عما أحدثت هذه الأعضاء ونوته . وأما الأثر: فمقالة النبي A: « الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى » . قال أبو عبيد: عم الأعمال كلها ، ولم يستثن منها شيئا ، وإن الطهور من أكبر الأعمال وأجلها ، وكيف لا يكون كذلك ، وهو قد فرضه الله تعالى على عباده فرضا حتما في تنزيله ، ثم قال رسول الله A: « الوضوء شطر الإيمان » . وقال في ثوابه وحطه الخطايا والذنوب ، ما قد رويناه في أول هذا الباب ، أفيتوهم ذو عقل أن ينال نائل كل هذه الفضائل من غير إرادة ولا تعمد للقربة إلى الله D ، كالرجل يولع بالماء عابثا أو متلذذا ، أو كالرجل يدخله سابحا أو متبردا ، لا يخطر له التطهر ببال ولا يجزئ منه على ذكر ، ثم يكون له هذا الثواب الجزيل ، ويكون مؤديا لفرضه الذي افترضه الله عليه ، هذا مما لا يعرفه الناس ، وكيف يكون ذلك ورسول الله A يشترط فيه ، ويقول: « من توضأ كما أمر كان له كذا وكذا » أفترى هذا اللاعب بالماء والمتلهي به متوضئا كما أمر ، وبالغا شرط النبي A حتى يصير هو المتحري لطاعة الله وأمره بالنية والعمل سيان . فأما ما احتج الآخرون من الحديث والرأي ، فكل ذلك له وجوه ، ستأتي به إن شاء الله . أما الأحاديث التي فيها: « إن ما مسه الماء من الجسد فقد طهر » . فليس هذا من هذا ، ولا هذا منه ، إنما ذلك في تفريق الغسل ، نقول: إذا غسل الرجل بعض جسده ثم تركه حتى يجف بقيته ، ولم يعد الماء على الأول ، ولم يخبرنا أحد منهم أن ذلك كان على غير إرادة للغسل ، ولو كان ذلك ما قيل له: قد فرق غسله ، إنما التفريق في الشيء: أن يفعل ذلك على إرادة وعمد ، لا على الغفلة والسهو . وأما قولهم: إن الماء هو الطهور ، وما يحتاج معه إلى نية ، فإنه يقال لهم: فكذلك الصعيد النظيف قد سماه الله طيبا ، فأي طهور تكون بعد تطييب الله جل وعز إياه ، ثم رضي به جل وعز لعباده منه ، بأقل ما رضي به من الماء حين فرضه على الوجوه والأيدي والرأس والأرجل ، فما باله لا يجزئ إلا مع عقد النية ، هذا ما لا وجه له نعلمه ، وأما الذي يشبه الوضوء بالنجاسة تصيب الجسد أو الثوب ، فإنه عندنا غلط في التشبيه ، لأن الله جل وعز قد فرض الوضوء على عباده أن يتولوه بجوارحهم ، إلا من عذر فقال: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق (3) ولم يقل إذا أصابكم نجس فاغسلوه . ثم أجمع المسلمون ولم يختلفوا أن طهر تلك النجاسة ، إنما هو أن تزول عن موضعها بأي وجه زالت ، ثم كذلك أجمعوا: أنه لو قال لرجل اغسل عني هذا الأذى ففعل كان طاهرا ، ولو قال له: توضأ عني كان باطلا ، فما يشبه هذا من ذاك ، ومما يزيدك تبيانا في بعد أحدهما من الآخر: أن رجلا لو توضأ بالماء ، ثم سافر وحضرت الصلاة ، وبجسده نجاسة ، وليس بحضرته ماء ، يغسلها به ، وهو على وضوء ، ما لزمه التيمم لها ، لأن التيمم لا يطهرها ، ولأنه متوضئ ، ولو كان على غير وضوء ، ولا نجاسة بجسده لزمه التيمم ، فكيف يلتقي هذان الأصلان ، وقد تباينا هذا التباين وأما الذي في الوضوء مقالته: إنه يجزئه ، فإنه يقال له: ومن يعطيك أن ذلك الوضوء كافيه ، وفي أي شيء اختلفنا إذن هذا عندنا لو مكث حولا أو أكثر ، لكانت عليه إعادة كل صلاة صلاها بمثل هذا الطهور ، لقول رسول الله A: « إنما الأعمال بالنية » وقد علم أن هذا غير ناو للوضوء . وأما المحتج بالدينونة: أنه يكتفى بها في الطهور خاصة ، دون الصلاة والزكاة وغيرهما من الفرائض ، فإنه يقال له: ومن أي موضع أتاك هذا التمييز ؟ وليس بموجود في كتاب الله ولا سنة ولا إجماع ، هذا ليس لبشر ويقال له: أي فرائض الله ونوافله ينتفع بها رجل ويصل إلى الله من عمله شيء ، وعامله لا يدين له به ، قبل أن يعمله ، حين خصصت الطهور بالدينونة من بين سائر الأشياء ؟ أم كيف يقبل الله عملا من عامل وهو لا يريده به ؟ هذا ما لا يعرفه المسلمون في دينهم وملتهم . قال أبو عبيد: فالأمر عندنا على أن كل متوضئ ومغتسل ، وليس بمريد للتطهر أنه غير طاهر ، لأن الله ، تعالى ذكره ، جعل الطهور مفتاحا للصلاة ، وصيره السبيل إليها فهي منه ، وهو منها ، وكذلك سائر الأعمال كلها ، فرضها على القلوب ، كفرضها على الجوارح ، ولو أن رجلا توضأ للصلاة النافلة ، أو ليصلي على جنازة ، أو توضأ ليذكر الله على طهارة أو لينام عليها ، أو توضأ ليكون مستعدا للصلاة إذا حضرت ، أو يكون مستعدا للوفاة ، فيقول: فإنني أصلي وأنا طاهر ، فإن هذه الخلال كلها عندنا باب واحد ، والطهر فيها ماض للصلوات ، الفرائض وغيرها ، لأنه إنما قصد بها كلها قصد التطهر ، فإياه أراد ، وهذه المواضع هي التي غلط علينا فيها ، فظن بعضهم أنه يلزمنا أن نقول: لا يجزئه حتى يتعمد الوضوء للصلاة ، ولا فرق بين هذا وبين أولئك ، لأنهم جميعا إنما صمدوا إلى معنى واحد ، وهو القربة إلى الله D ، وليكن حالهم خلاف حال الذي ليس بمتطهر ، فأين هؤلاء من اللاعبين بالماء على جهة التلذذ به ، والعبث به
(1) الجُنُب: الذي يجب عليه الغُسْل بالجِماع وخُروجِ المّنيّ، والجنَابة الاسْم، وهي في الأصل: البُعْد. وسُمّي الإنسان جُنُبا لأنه نُهِيَ أن يَقْرَب مواضع الصلاة ما لم يَتَطَهَّر. وقيل لمُجَانَبَتِه الناسَ حتى يَغْتَسل
(2) سورة: الإسراء آية رقم: 36
(3) سورة: المائدة آية رقم: 6