فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 439

باب ذكر الماء الفاصل بين الماء الحامل للنجاسة وبين غيره من المياه الراكدة ، وموضع الاختيار منه قال أبو عبيد: قد أكثرت العلماء الكلام في الماء قديما وحديثا . فقال ناس من أهل الأثر بالقول الأول في الرخصة والسعة ، لقول النبي A: « لا ينجس الماء شيء » وقال آخرون: بالتغليظ والكراهة ، لنهي النبي A عن البول والاغتسال من الجنابة في الماء الدائم . فكلا الفريقين لم يوقت في مبلغ ذلك الماء وقتا ، وأما أهل العراق من أصحاب الرأي فيذهبون فيه إلى التوقيت فجعلوا الحد المفرق بينهما اضطراب الماء وتحركه ، فقالوا: ما كان منه إذا حركت ناحيته فلم يبلغ به التحرك الناحية الأخرى وقصر عن ذلك فهو عندهم الذي لا ينجس قالوا: فإن بلغ به ذلك التحرك إلى أقصاه فهو الذي تنجسه الأقذار . وحجتهم فيما يرى: أن الذي يلحق بعضه بعضا في التحريك ضعيف تمتزج به النجاسة ، وأنه إذا اتسع حتى تبعد أطرافه بعضها من بعض ، ولا يتلاحق فإن الأنجاس لا تمتزج به ، ولا تقوى عليه . وأما أهل الحجاز فإن العامة كانوا يحكون عنهم التوسع فيه نحو ما روينا في الباب الأول ، أنه لا ينجسه شيء ، ورأيناهم ، أو من رأينا منهم ، ينكرون ذلك ، وقالوا فيه نحو قول أهل العراق ، غير أنه لا حد عندهم يوقتونه لهؤلاء ، على أن بعضهم قد حكى عن مالك أنه قال: في المصانع العظام أنها لا تنجس . قال أبو عبيد: وإن الذي عندنا في الماء أنه لا يجوز فيه التحديد والتوقيت بالظن والرأي لأن الطهور من أصل الدين المفروض ، ولا يوجد إلا من كتاب أو سنة ، وإنا تدبرنا الآثار فوجدناها قد نقلت عن النبي A ثلاثة أنواع ، منها: اثنان عامان ، وواحد خاص ، فالعامان: هما الباب الأول والثاني ، اللذان فيهما السعة والتغليظ ، والخاص: هو الباب الذي فيه الوقت . فمن أخذ بالأولين اللذين فيهما العموم خرجا به إلى ما يفحش ، وتنكره الأمة . ألست تعلم أن من جعل الرخصة عامة ، فقال: الماء لا ينجسه شيء أبدا ، في الحالات كلها ، فإنه يلزمه أن يقول في رجل أتى بإنائه ليتوضأ منه فبال فيه بائل: إن له أن يتوضأ به ، لأنه عنده لا ينجسه شيء . وكذلك من جعل التغليظ عاما في الحالات كلها ، فإنه يلزمه في البحار والبطائح وما أشبههما: أن البول والاغتسال من الجنابة فيها ينجسها ، فأي المسلمين لا ينكر هذين المذهبين ولا يستوحش منهما وأشد من هذين جميعا القول فيه بالاستحسان والرأي وهو ذكر الاضطراب والتحرك ، فكل هذه الوجوه الثلاثة ، لا أرى العمل بشيء منها ، ولكن الذي نختاره ونرى العمل به: الحديث الذي فيه التوقيت من رسول الله A ، وهو القلتان أو الثلاث ، ثم أفتى به مجاهد والحسن في القلتين ، وقد ذكرنا حديثهما ، وليس هذا بخلاف الأحاديث الأولى التي فيها الرخصة والتي فيها التغليظ ، ولكنه عندنا مفسر لها ، وقاض عليها ، لأن تلك مجملة ، وهذا ملخص ، وكذلك كل أمر معلوم ، فهو الحاكم على المجهول ، وإلى هذا انتهى قولنا في الماء تمسكا بسنة رسول الله A واقتصاصا لأثره ، فإذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا فهو الذي لا ينجسه شيء ، ولا يزال طاهرا ما لم يصر مغلوبا برائحة الأنجاس أو طعمها ، فإذا صار إلى ذلك كان قد زايله حينئذ اسم الماء الذي اشترط الله جل وعز في تنزيله حين قال: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (1) وقد سمعنا في الطعم والريح حديثا مرفوعا ، حدثنا محمد ، قال: أخبرنا أبو عبيد أخبرنا إبراهيم بن سليمان ، عن الأحوص بن حكيم ، بإسناد له غير أنه ليس مما يحتج به أهل الحديث ، إنما الحجة فيه ما أعلمتك من التأويل ، ومن اسم الماء . فهذا حكم مبلغ القلتين والثلاث فإذا قصر الماء عنهما ، فلم يبلغهما فإنه الذي ينجس بقليل ما يدخله من الأقذار وكثيره ، كالقطرة من الدم والبول والغائط يخالطه ، فتشمله كله حينئذ النجاسة ، ولا يطهر منه شيء أبدا ، حتى ينزح من عند آخره ، وإن لم يغير منه طعما ولا ريحا . وقد تكلم الناس في القلال ، فقال بعض أهل العلم: هي الجرار ، وقال آخرون: هي الحباب ، وهذا القول الذي أختاره وأذهب إليه ، إنها الحباب ، وهي: قلال هجر ، معروفة عندهم وعند العرب مستفيضة . وقد سمعنا ذكرها في أشعارهم ، وقد يكون بالشام أيضا والجزيرة ، وتلك الناحية ، وكل هذا الذي اقتصصناه إنما هو في الماء الدائم الذي لا مادة له ، وذلك مثل الغدران والمصانع والصهاريج والحياض والبرك ، وأما الماء المعد الذي له المواد مثل الآبار والعيون ونحوها فالقول فيها من بعض العلماء غير ذلك ، وهما عندنا سيان ، وقد ذكرنا أقوالهم بعد هذا الباب . وأما حديث عبد الله بن عمرو في أربعين قلة الذي رواه عنه محمد بن المنكدر فإنه مرسل لا نعلمه سمع منه شيئا فإن كان هذا محفوظا فليس معناه عندنا قلال هجر ، لأن الناس قد كانوا يسمون الكيزان التي يشرب فيها قلالا يكون مبلغ الكوز منها ، الرطلين والثلاث وأكثر من ذلك ، وقد رأيناها نحن قبل أن يحدث الناس الكيزان الصغار ، فوجه حديث عبد الله بن عمرو عندي ، تلك القلال إن كان حفظ ، وكذلك وجه حديث أبي هريرة في القول في أربعين ، والشاهد لقولنا حديث أبي هريرة الآخر ، وهو قوله: « لا يخبث أربعين دلوا شيء ، وإن استحم فيه خبث » فذكر أربعين قلة في موضع ، وأربعين دلوا في آخر ، فهذا ينبئك أنها هذه القلال التي وصفناها ، لأن القلة منها نحو من الدلو ، فإذا اجتمع من هذه أربعون ، كانت نحوا من القلتين والثلاث من قلال هجر ، فحديثه وحديث عبد الله بن عمرو ليسا بخلاف الحديث المرفوع ، بل هما موافقاه إن شاء الله قال أبو عبيد: وهكذا حديث ابن سيرين في توقيت الكر ، هو عندي راجع إلى هذا المعنى ، وذلك أنه إنما أراد بالكر: مكيال زمانه يومئذ ، وكان يقال له: الحجاجي وهو ربع الهاشمي الأول ، وخمس هذا الملحم ، ولا أحسب خمس كرنا اليوم يملأ أكثر من قلتين أو ثلاث من قلال هجر ، وهي الحباب العظام التي وصفنا ، وأرى أقوال العلماء من الصحابة والتابعين حين وقتوا مواقيت الماء راجعة كلها إلى سنة النبي A في مبلغ القلتين أو الثلاث

(1) سورة: النساء آية رقم: 43

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت