204 -أخبرنا أبو عبيد ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ومعاذ ، عن ابن عون ، قال: قلت للقاسم بن محمد: ينتهي أحدنا إلى الغدير ، وقد ولغ (1) فيه الكلب ، ويشرب منه الحمار أنشرب منه ونتوضأ ؟ فقال: « أينتظر أحدنا إذا انتهى إلى الغدير ، حتى يسأل عن أي كلب ولغ فيه ، وأي حمار شرب منه ؟ » قال أبو عبيد: وقد اختلف الناس في هذا الباب ، فكان مالك بن أنس ومن وافقه من أهل الحجاز ، لا يرون بسؤرها بأسا . وأما سفيان وأهل العراق من أصحاب الرأي ، فإنهم يكرهون ذلك ، ولكل واحد من الفريقين حجة: فمذهب الكارهين ، فيما أحسب ، ما روي عن النبي A من النهي عن أكل لحومها ، فرأوا أنها أنجاس لذلك . ومع هذا أيضا: إنهم لما رأوه قد غلظ سؤر الكلب ، الذي ينتفع به للصيد والماشية ، حتى أوجب فيه سبعا ، كان سائر السباع بالنجاسة عندهم أحرى قال أبو عبيد: وأحسب حجة المترخصين فيه: تأويل القرآن: قوله D: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا (2) وقد روي عن عائشة Bها ، وابن عباس أنهما كانا يحتجان بها إذا سئلا عن لحومها . وأحسبهم ، مع هذا ، لما علموا أن رخصة رسول الله A في سؤر الهرة ، واضعا الإناء لها ، كان سائر السباع عندهم في السعة مثلها . فهذان وجهان متضادان ، وإن الذي عندنا في أسآر السباع ، أني لا أرى أن أجعلها قياسا على واحد من المذهبين ، لأنهما شيئان من رسول الله A مختلفان في الكلب والهر ، فمن مال إلى إحديهما كان هاجرا للأخرى ، وليست واحدة منهم أحق بالاتباع من صاحبتها ، ولكن الذي أختار في أسآرهما ، لم يأتنا عن رسول الله A فيها تحليل ولا تحريم ، أن يكون سبيلها سبيل ما يختلف فيه ، أن نجتنب التطهر بها ، على وجه الثقة: الأخذ بالحيطة ، ما وجد صاحبها منها بدا ، وعنها غنى ، فإن اضطر إليها ، ولم يجد غيرها ، كان طهوره به عنه جازيا ، وكانت الصلاة تامة ، لا أعلم في السباع وجها أدنى إلى القصد والسلامة منه ، وليس يدخل الكلب والهر في شيء منها ، لأن ذينك قد خصتهما السنة بشيء ، وفرقت بينهما ، فنحن عليها فيهما . ويكون في الوجه الثالث الذي وصفناه من هذه السباع على ما اقتصصنا ، وتستوي عندنا في ذلك وحشيها وقنيها ، فالوحشية منها: الأسد والنمار والذئاب والثعالب ، والقنية: الفهود التي تتخذ للصيد ، وكذلك سائر الطير ، مثل الصقور والبزاة والعقبان
(1) ولغ: شرب بطرف لسانه
(2) سورة: