فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 439

168 -حدثنا محمد ، قال: أخبرنا أبو عبيد ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن ليث ، عن عطاء ، قال: « إن ماتت فيها الشاة نزحوا منها أربعين دلوا فإن تفسخت نزحوها كلها أو مئة دلو (1) » قال أبو عبيد: وإلى مثل هذه الأحاديث يذهب الكوفيون من أهل الرأي وإن كانوا يفارقون من سمينا في العدد بالزيادة والنقصان ، فإنه طريقهم الذي به يفتون من الأولى المسماة . وقد كان بعضهم يحتج بحديث علي الذي ذكرناه ، قال أبو عبيد: فإن الذي عندنا في حديث علي: أنه ليس بحجة لمن قال بهذا القول: لأن عليا أمر في الفأرة بنزح الماء كله ، وهؤلاء إنما يأمرون بنزح دلا معدودة ، مع أن الحديث مرسل لا يعلم أن أبا البختري سمع من علي ولا رآه وحديث عبد الله الذي ذكرناه أكثر في الإرسال وأبعد ، فإن كان صح عنهما ، فإنما هو على نجاسة الجميع لا على التبعيض فأما تسمية الدلاء المعلومة الذي يستقى منها كذا وكذا دلوا ، ويترك سائر الماء فإنا لم نسمع بهذا من أحد من أصحاب رسول الله A من وجه صحيح ولا سقيم ، إنما تكلم به التابعون الذين روينا عنهم ومن بعدهم ، وإن كانوا أئمة في العلم ، ولقد رأيت في حجتهم ، فجلهم ذهبوا إلى أن النجاسة مختلفة ، فبعضها أكبر من بعض وأقل ، وقالوا: إنما يستقى من البئر بعدد مبلغها فيه ، ومثلت ذلك لهم: بالقطرة من الدم يقع في الماء ، فأنت ترى حمرتها تنفش فيه وتتفرق ، ثم لا تلبث أن تنمحي ، وينقطع أثرها لضعفها وقلتها ، فإن كانت قطرتين كان أكثر لتفرقهما وأقوى ثم كذلك ما زاد ، قالوا: فهكذا نجاسة البول ، والماء الذي يمات فيه وإن كان لا يرى كرؤية الدم فهو مثله . يقولون: فإذا نزح بقدر ما يرون أن النزح قد أتى على النجاسة كان ما وراء ذلك طاهرا ولم يكن بهم حاجة إلى استقائه ، هذا فيما نرى أحسن حجة للقوم . وقال الآخرون الذين يفارقونهم أو من قاله عنهم: هذا أمر لا يحاط به ، ولا يوقف على حده ، لأن الماء إذا حرك بالاستقاء يدافع ، ولحق بعضه بعضا لرقته وسرعة امتزاجه ، فكيف يعرف طاهر هذا من نجسه ، فهو إما أن يطهر كله ، وإما أن ينجس كله ، وكلا الفريقين له مقال ومذهب ، غير أن هذا القول أعجب إلي أن يكون الماء لا ينجس بعضه دون بعض ، لأنه لا يوقف عليه ، ولا يحاط به ، وأصلنا فيه السنة التي ذكرناها قبل هذا في الحد الموقت في القلتين ، فما كان فوق ذلك فهو الطاهر كله إلا أن يصير مغلوبا ، وما كان دون القلتين فهو النجس كله إذا خالطه من الأنجاس شيء ، ولا نرى التبعيض في ذلك ، ولا نأخذ به ، فأما حديث ابن عباس في زمزم فإنه ينكر من عدة وجوه منها أنه إنما يحدثه عنه قتادة مرسلا ، وأدنى ما بينه وبين ابن عباس واحد . ومنها: أن عطاء كان يخبر بتلك الفتيا عن ابن الزبير ، وهو أعلم بأمر مكة وما فيها من قتادة . وأكبر من هذه الحجة أن المشهور من رأي ابن عباس التوسع في الماء . ألست ترى أنه يحدث عن النبي A: « إن الماء لا ينجسه شيء » . ثم كذلك كانت فتياه . وقد روى عنه الشعبي أنه قال: لا يخبث الماء . وروى عنه أبو عمر البهراني في الحمام يدخله الأجناب أن ذلك لا ينجسه . ثم مع هذا كله أن أهل مكة ينكرون نزح زمزم ولا يعرفونه ، قال أبو عبيد: وكذلك ينبغي أن يكون الأمر على ما قالوا: للآثار التي جاءت في نعتها ، أنها لا تنزح ولا تذم ، لسقي الحجيج الأعظم ، فكيف تنزح وهذه حالها ؟ وقد كان بعض أهل الأثر يقولون: إن كان لنزحها أصل ، فإنما معناه: أن الماء قد كان تغير طعمه وريحه في موت الذي مات فيه

(1) الدلو: إناء يُستقى به من البئر ونحوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت