فهرس الكتاب
منثورا، وإنما كانت الصلاة عمود الدين تشبيها لها بعمود الخيمة، لأن أول ما يحاسب به المرء من عمله إقامة الصلاة، كذلك أول ما يقام من الخيمة عمودها، وكلما أنه إن ردت الصلاة رد سائر عمله .
135 -كما جاء في الحديث، كذلك عمود الخيمة إن أقيم رفعت وإن حبط حبطت، وأيضا كما أن الخيمة لا تثبت وتمنع من الحر والبرد إلا إذا أقيم عمودها، كذلك لا يثبت الإسلام ويحقن الدم إلا إذا أقيمت الصلاة. وإنما شبه الجهاد بذروة سنام البعير، لأن ذروة السنام - وهي أعلاه - لا يعادلها شيء من أجزاء البعير كذلك الجهاد لا يعادله شيء من أعمال الإسلام لقوله ( لما سئل ما يعدل الجهاد في سبيل اللّه، قال:"لا أجده"(1) . وفي رواية:"لا تستطيعونه" (2) . هذا ما يظهر لي، والله أعلم بمراد نبيه ( .
ويحتمل أنه لما كان البعير حاملا للإنسان وموصلا له إلى المكان الذي يرومه (3) شبه به هذا الأمر وهو الدين الحنيفي، لأنه موصل للمؤمن في سفره الدنيوي، إلى موطنه الأول وهو الجنة، ثم شبه ( الإسلام وهو التلفظ بالشهادة برأس البعير، إذ كان كل أحد يمكنه الوصول إلى هذا الإسلام، كما يمكنه الوصول إلى رأس البعير إما باللمس أو الرؤية، وشبه الجهاد بذروة سنامه إذ كان لا ينالها إلا أطول الناس جسدا أو مالا، كذلك الجهاد لا يناله إلا أفضل المؤمنين سابقة ومالا، كما قال (:"لا يناله إلا أفضلهم"(4) .
ويحتمل أن النبي ( إنما شبه الجهاد بذروة السنام لأن من تسور ذروة السنام فقد حكم على جميع أجزاء البعير، كذلك من رزقه الله الجهاد فقد أناله جميع ما في الإسلام من أجزاء الفضل، لأن نوم المجاهد أجر، وسفره أجر، ونفقته أجر، ونصبه أجر، وخوفه أجر، وظمأه أجر، وجوعه أجر، وحركاته كلها أجر، إلى غير ذلك، واللّه سبحانه أعلم .
(1) تقدم برقم: 4 9.
(2) تقدم برقم: 93.
(3) أي: يطلبه . المصباح: ص 46 2.
(4) تقدم برقم: 2 9 - 134.