فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 552

8 -وعن علي رضي الله عنه، عن النبي ( قال:"الإسلام ثمانية أسهم، الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، وصوم رمضان سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وخاب من لا سهم له . رواه أبو يعلى الموصلي وغيره عن طريق الحارث(1) ،"

(1) الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، أبو زهير الكوفي، ويقال الحارث بن عبيد صاحب علي، تابعي جليل، وكان يتشيع لعلي رضي الله عنه ويفضله على سائر الصحابة رضي الله عنهم جميعا، ولهذا تكلموا فيه، وأول من تكلم فيه الإمام الشعبي رحمه الله حيث قال: إنه كذاب . ثم إبراهيم النخعي رحمه الله، فقال: إنه اتهم .

هذا هو منشأ الكلام في هذا التابعي الكبير، وكل من تكلم فيه، بعد هذين الإمامين عالة عليهما، والله المستعان .

ومن هنا أكتفي بنفي أصل التهمة عنه، إذ الفرع ينتفي بانتفاء الأصل، وأقول: الأصل منتف جملة وتفصيلا.

أما جملة: فمدار هذه الأخبار الواردة عن الشعبي وإبراهيم النخعي، على المغيرة بن مقسم الضبي مولاهم، الكوفي رحمه الله، قال ابن فضيل: كان يدلس، فلا يكتب إلا ما قال: حدثنا، وروايته هنا بالعنعنة ولم يصرح بالتحديث، وضعف الإمام أحمد حديثه عن إبراهيم خاصة، وقال العجلي: كان عثمانيا .

وكل واحد من هذه الأمور الثلاثة يكفي لرد هذه الأخبار إذا طبقنا القواعد التي وضعها علماء الحديث، وخاصة كلام من يتعصب لعثمان لا يقبل فيمن يتعصب لعلي، فضلا عن أن يعتمد عليه في نيل عرض مثل هذا التابعي الجليل .

وأما تفصيلا: فعلى فرض ثبوت كلام الشعبي فيه، لا يقصد الكذب في حديث رسول الله (، إنما قصده الكذب في رأيه فقط وبدليل رواية الشعبي نفسه عنه، وثنائه عليه حيث يقول: شهد عندي ثمانية من التابعين الخير، والخير منهم سويد بن غفلة، والحارث الهمداني . ولهذا قال أحمد بن صالح المصري رحمه الله: لم يكذب في الحديث إنما كذبه - يعني الشعبي - في رأيه، وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: وإنما نقم - يعني الشعبي - عليه إفراطه في حب علي، وتفضيله على غيره .

وقال ابن سعد رحمه الله: كان له قول سوء وهو ضعيف في رأيه، وهذا القول من هذا الإمام حدد لنا مكان الضعف منه، وهو الرأي فقط، لأنه كان يرى فضل علي، على سائر الصحابة وما قاله ابن سعد هو الإنصاف . ولهذا جزم الحافظ ابن حجر رحمه الله بأن الشعبي إنما كذبه، في رأيه .

وأما قول إبراهيم النخعي: إنه اتهم، فقد بينه هو نفسه، وقال: الحارث قال: تعلمت القرآن في ثلاث سنين، والوحي في سنتي . وقال القاضي عياض رحمه الله: وقد فسره بعضهم، بأن الوحي هنا الكتابة، ومعرفة الخط، قاله الخطابي، ولكن لما عرف قبح مذهبه وغلوه في مذهب الشيعة، ودعواهم الوصية إلى علي رضي الله عنه، وسر النبي ( إليه من الوحي، وعلم الغيب، ما لم يطلع غيره عليه بزعمهم، سيء الظن بالحارث في هذا، وذهب به ذلك المذهب، انتهى .

قلت: (إن بعض الظن إثم(، (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا( خاصة فيما ينال به عرض المزمن، ويُعَطَّلُ بسببه كثير من الأحكام والسنن، ومن هنا نعلم: أن الحارث بريء من الكذب في حديث رسول الله ( براءة الذئب من دم يوسف عليه الصلاة والسلام .

وأما بالنسبة لتشيعه، فقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: فالتشيع في عرف المتقدمين، هو اعتقاد تفضيل علي، على عثمان، وأن عليا كان مصيبا في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن عليا أفضل الخلق بعد رسول الله ( وإذا كان معتقد ذلك ورعا، ديّنًا، صادقا مجتهدا، فلا ترد روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية، انتهى .

هذا، وممن وثق الحارث محمد بن سيرين رحمه الله حيث قال: كان من أصحاب ابن مسعود خمسة يؤخذ عنهم، أدركت منهم أربعة، وفاتني الحارث، فلم أره، وكان يفضل عليهم .

وكان الحارث ثقة عند الحسن والحسين ريحانتي رسول الله ( حيث كانا يسألانه عن حديث علي رضي الله عنه، وهذا يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل لم يرفع رأسا لمن تكلم فيه ويقول: إنه ثقة، وقال أحمد بن صالح: الحارث الأعور ثقة، ما أحفظه، وما أحسن ما روى عن علي .

وعلى رأس من وثق الحارث الإمام أحمد رحمه الله الذي هو المقتدى به في هذا الميدان، وذلك لأمرين:

الأمر الأول: قال في عاصم بن ضمرة صاحب علي:"هو أعلى من الحارث الأعور، وهو عندي حجة"، انتهى . وأفعل التفضيل يقتضي المشاركة في أصل الفضل، ولو لم يكن الحارث عنده ثقة، لتناقض قوله:"وهو أعلى من الحارث"مع قوله:"وهو عندي حجة"، ولأصبح الذم بما يشبه المدح، كما يقال:"هذا السيف أحسن من العصا".

والأمر الثاني: روايته له في مسنده الذي جعله إماما يرجع إليه عند الاختلاف في السنة، أحاديث كثيرة في الأحكام والسنن، مع أنه قال: إذا روينا عن رسول الله ( في الحلال والحرام، والسنن والأحكام، تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ( في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكما، ولا يرفعه، تساهلنا في الأسانيد، وعلى كل حال كل ما قيل في الحارث، ليس بأكثر مما قيل في محمد بن إسحاق رحمه الله، حيث أطلق عليه الكذب هشام بن عروة رحمه الله، وتابعه على ذلك الإمام مالك رحمه الله، وكل ذلك من كلام الأقران بعضهم على بعض، ولا يلتفت إليه كما تقرر في محله .

ومن هنا أقول: إن الحارث ثقة ولا حجة لمن تكلم فيه، والعلم عند الله تعالى، وهو يقضي بين خلقه فيما كانوا فيه يختلفون .

انظر في هذا كله: تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي، ص 90- 91، ت . د. أحمد نور سيف، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 3/79، كتاب المجروحين لابن حيان: 1 /2 22، ت محمود إبراهيم زايد، تهذيب الكمال، 1 /5 1 2 - 6 1 2، ميزان الاعتدال، 1 / 435 - 437، 2 / 2 35، تهذيب التهذيب، 1 / 4 9، 2 / 5 4 1، تقريب التهذيب، ص 60، الكفاية في علم الرواية، ص 213، جامع بيان العلم وفضله، 1/54، شرح النووي على مسلم: 99/1 .

9 -رواه ابن أبي شيبة في المصنف بنحوه:5/352، ورجاله محتج بهم في الصحيحين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت