واعلم أن فراق زوجتك تلك لا بد منه، وكأن قد وقع، والجنة إن شاء اللّه تجمع بينكما ونعم المجتمع، وما بينك وبين وصلها إن كانت من الصالحات، إلا وقت لا بد من فراقك لها فيه وهو الممات، فتجدها في الآخرة أجمل من الحور العين بما لا يعلمه إلا رب العالمين، قد ذهب ما تكره منها، وزال ما يسوء عنها، وحسن خُلُقُها، وكمل خَلْقُها، كحلاء نجلاء، حسناء زهراء، بِكْرًا، عذراء، قد طهرت من الحيض والنفاس، وكرمت منها الأنواع والأجناس، وزال اعوجاجها، وزاد ابتهاجها، وعظمت أنوارها، وجل مقدارها، وفضلت على الحور العين في الجمال، والأنوار، كفضلهن عليها في هذه الدار، فاعرض عنها اليوم لله فسيعوضك الله عنها، وإن كانت من أهل الجنة فلابد لك منها، ولا يلهينك يا هذا عن دار القرار، الاغترار بشيء من زخرف هذه الدار، فوالله ما هي بدار مقام، ولا محل اجتماع والتئام، دار إن أضحكت اليوم أبكت غدا، وإن سرت أعقب سرورها الردى، وإن جلَّت فيها النعم جميعا، حلَّت فيها النقم سريعا، إن أخصبت أجدبت، وإن جمعت فرَّقت، وإن ضمت شتت، وإن نقصت تغصت، وإن أغنت عنت (1) وإن زادت أبادت، وإن عقرت دمرت، وإن أسفرت أدبرت، وإن راقت أراقت، وإن صافت حافت (2) ، وإن عمَّت بنوالها غمَّت بوبالها، وإن جادت بوصالها جاءت بفصالها، قربها بعيد، وحبيبها طريد، شرابها سراب، وعذبها عذاب، دار الهموم والأحزان، والغموم والأشجان، والبين والفراق، والشقاء والشقاق، والوصب (3) والنصب، والمشقة والتعب، كثيرها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وجليلها حقير، غزيرة الآفات، كثيرة الحسرات، قليلة الصفا، عديمة الوفا، لا ثقة بعهودها، ولا وفت لوعودها، محبها تعبان، وعاشقها ولهان (4) ،
(1) عناه: كلفه ما يشق عليه . المعجم الوسيط: 2/639.
(2) أي: جارت وظلمت . الصحاح: 4/1347.
(3) الوصب: المرض. الصحاح: 1/233.
(4) الوله: ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد. الصحاح: 6/2256 ..