واللغة العربية، ويحرم من دراسة العلوم الحديثة أو يأخذ منها أنصبة تافهة، ويكتفى في هذا التعليم المحدود بحفظ ألفاظ القرآن كلا أو بعضا، وبدراسة العلوم الشرعية واللغوية على نحو سقيم ويوزع خريجو هذا التعليم على ... نواح جانبية من المجتمع الإسلامى ريثما يتم الخلاص منهم ومن قصورهم الملحوظ. أما التعليم المدنى فتتوفر فيه دراسة الكون والحياة، وتتسع فيه الدراسات الإنسانية المجردة، وربما حصل الطالب العربى على أنصبة ضخمة من هذه المعارف المحترمة تساوى ما يحصل عليه زميله في"موسكو"أو"لندن"، أما العلوم الدينية والعربية فإن الطالب لا يكلف بها ولا يتناول أنصبة محترمة منها. وإذا قدم له شىء تحت ضغط ظروف معينة فذرا للرماد في العيون، ويكاد التعليم الثانوى والجامعى أن يقفر كل الإقفار من المعرفة الإسلامية النافعة، ومن هنا يتخرج المهندسون والأطباء والكيماويون والضباط والمحاسبون وغيرهم وهم لا يدرون شيئًا طائلا عن دينهم، بل إن دارسى الحقوق لا يعرفون عن الشريعة الإسلامية إلا مثل ما يعرفون عن القانون الرومانى البائد. وقد نشأ عن ذلك أن قادة المسلمين ـ وجملتهم من هؤلاء ـ يحيون مقطوعى الصلات بدينهم، بل قد يضيقون به ويعملون ضده، أما من يتسمون علماء الدين فهم صرعى قصورهم وانقطاعهم، وقلما يصلحون لعرض الإسلام والحديث عنه، والفجوة بين التعليم الدينى والمدنى تعمق على مر الزمن. والهدف الذى خطط له الغزو الثقافي أن يتلاشى التعليم الدينى وتتحول جامعاته الكبرى إلى جامعات مدنية، وأمله ـ إن لم يقع ذلك قريبا ـ أن يكون المنتسبون إلى الدين موضع الإهمال والزراية بضحالتهم وعجزهم وتنكر الدنيا لهم .. ونرى أنه لن تنتهى هذه المأساة إلا إذا محت بشكل حاسم بدعة ازدواج الثقافة، وتقرر أن يكون كل متعلم حاصلا على حظ معقول من علوم الدين واللغة يربطه بتراثه وحضارته ومثله العليا، ويجعله يحيا لأمته لا لأعدائها، يحيا لدينه وتراثه لا ذنبا يتبع كل تيار، ويصدق كل ناعق. 5 - واتجه الغزو الثقافي إلى لغة القرآن فأصابها إصابات قاتلة، إذ عزل هذه اللغة عزلا تاما عن تدريس العلوم، فلا وجود للغة العربية في كليات الطب أو الصيدلة أو الهندسة أو العلوم أو غيرها من الكليات التى تدرس الكون والحياة. واللغة الإنجليزية ص _122