وظاهر أن هذه الحملات على قوانين الأسرة أو ما يسمى قوانين الأحوال الشخصية، محاولة لزعزعة ما بقى سليما من تراثنا الإسلامى في ميدان التشريع. إن الأفاكين لا يهدأون، ولن يرضوا حتى يروا شرعة الهوى تصبغ كل علاقة وتفسد كل حكم. والشبهة التى تلوكها الأفواه لرد أحكام الله كلها، أن الإسلام يقسو على المجرمين، وأن صرامة حدوده وأقضيته بحاجة إلى كثير من الملطفات والمخففات في عصر ارتقت فيه الحضارات، وتطور الإنسان إلى أعلى .. ! ونحب أن نقول على عجل: إن نسبة الشرائع القائمة على القصاص، والحدود إلى الإسلام وحده، واتهامه بالوحشية والرجعية بناء على ذلك هى ضلال في ضلال!. فإن هذه القوانين الشديدة ى ـ كما يقولون ـ سبقت إليها التوراة والإنجيل ثم تفلت البشر منها نزوعا مع غلبة الهوى. والسؤال الذى يوجه إلى الناس جميعا، مسلمهم، ونصرانيهم، ويهوديهم هو: هل تخضع الأرض لأحكام السماء، وتستهدف مرضاة الله؟ أم تسير وفق ما يزين الشيطان ويملى الهوى؟؟
إن القصاص في القتل وسائر الجراحات ليس حكما مبتدعا شرعه القرآن الكريم لينهج به سياسة من القسوة في معاملة المجرمين لم تؤلف في العهود الأولى .. كلا، فالقرآن إنما أكد أحكامًا بدأت بها التوراة والإنجيل. وكل ما أحدثه من تغيير أنه خفف بعض الشدة الى اتسمت بها هذه القوانين، فقبل العفو من ولى الدم، وأحل محله الدية، وخفف العقوبات في جرائم الزنا والسرقة. فإن التوراة تحكم برجم مقترفيها جميعًا، أما الإسلام فيكل المرابين مثلا إلى أولياء الأمور يعالجون جريمتهم بما يرون. ويكتفى في السرقة بالقطع -بعد شروط دقيقة- ويحيط جريمة الزنا بإطار خاص، ويفصل في عقاب مرتكبيها فلا يسوى بين الزوج والأعزب. ص _143