إلى أن قال:"فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا". إن الإحسان والتوفيق لا يكونان إلا في إقامة أحكام الله وتقديس أوامره كلها، فلا يجاب منها ما نرغب ويرجأ ما نرهب. وانتظار السلامة للمجتمع من وراء التشاريع التى صنعها الناس لأنفسهم تعلق بالمستحيل، وحرى بالعقلاء ألا ينتظروا منها إلا الخلل العام والفتن العمياء .. ومرة أخرى أؤكد أن الله إذا قال:"في القصاص حياة". فمعنى ذلك أن تركه موت وبلاء وكروب ومصيبات .. وأن الله إذا وضع للبشر حدودًا، فمن الخير لهم أن يرعوها، فإن من يتعد حدود الله لا يظلم أحدًا بعيدًا عنه، ولكن الأمر كما قال الله:"ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه". وتوجد شبهة أخرى عند خريجى التعليم الحديث، تخيل إليهم أن التشريع الغربى قد وصل في تناوله لشتى الأحوال إلى مرتبة من تقعيد القواعد وتفريع الفروع لم يصل إليها التشريع الإسلامى. وهم معذورون في هذا الوهم، لأنهم أمام تشريع يحييه التطبيق المتجدد، وتصله بواقع المجتمع أوامر شتى، أما التشريع الإسلامى فهو كنوز مدفونة في الثرى لا يدرى نفاستها إلا الأقلون. والحقيقة أن الفقه الإسلامى بلغ في العصور الأولى درجة من النضج والروعة تضارع ما بلغه التشريع الحديث في أزهى مواطنه اليوم، ومع فارق أن هذا يعتمد على نزوات بشرية وينبثق من جذور شيطانية. أما ذاك فهو يقوم على أصول من الوحى الأعلى، وينطلق في مجراه الممهد بين حصانات من هدى السماء. ص _145