والعقول الذكية وحدها. هى التى تميز الحق من الباطل وتعرف حقائق الوحى من نزغات الهوى وتلفيق الضلال:"أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب"! والعقول الذكية وحدها هى التى تستفيد من عبر الماضى وتنتفع بتاريخ الإنسانية الطويل، وقصص الأبطال أو الأنذال من المصلحين أو المفسدين:"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ...". ولا تكون الحكمة في معالجة الأمور، والدقة في الحكم على الأشخاص والمسائل، والبصر بالمقدمات والنتائج، إلا لأصحاب العقول الراجحة، والمدارك الواسعة، والمواهب الرائعة:"يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب". وتربية العقول، وإذكاء المواهب، وتفتيق الملكات الإنسانية ليس أمرًا هينًا. فمراحل التعليم في المدرسة، ومراحل التجريب في الحياة، واستيراد الأفكار البعيدة، وضم ما لا تعرف إلى ما تعرف، والنظر في الجديد نظرة تلطف وإيلاف. لا نظرة جمود واعتساف، والتطوف في آفاق العوالم المادية والأدبية، هذه جميعًا وسائل لترقية الإنسان. ثم هى بعد وسائل العقل السليم لمعرفة الله وحس الإيمان به والإفادة من دينه. إن عمل العقول العليلة في آيات الوحى، هو عينه عمل الحشرات القارضة في أوراقه، عند ما يدب فيها البلى، تتلفها ولا تعرفها، وتظلمها ولا تنصفها. وذاك سر التدهور الاجتماعى بين جماهير الأميين من المسلمين وغيرهم."أ. هـ. ص _023"