وقد اتخذت خلافاتنا القديمة هذا السبيل، وربما بدأت ولها أسس قوية من الصواب، أو وجهات نظر يقصد بها الحق وحده، بيد أنها تطورت على مر العصور تطورًا كان يقلل ما فيها من خير ويضعف ما فيها من شر، حتى انتهت إلينا ـ نحن أبناء هذا القرن ـ وهى شر محض، فليس يستمسك بها من له بقية من عقل أو إيمان ..
3 -ولا بد من الاعتبار بأحداث التاريخ والاعتراف بتطور الحياة وانتقال الأمم كلها إلى أحوال تغاير ما كانت عليه منذ أربعة عشر قرنًا. وهذا يفرض علينا أن نعيد النظر في رسالتنا الكبرى، لا لتغيير شئ من أصولها فمعاذ الله أن يجرى على خواطرنا هذا الإفك، إنما لنغير من أسلوبنا في تطبيق بعض التعاليم، على ضوء ما وعينا من تجارب وما جد في الحياة من أحداث كبار. إننا ـ في مدى أربعة عشر قرنا ـ أصبنا كثيرًا من الأرباح وكثيرًا من الخسائر. وجدير بنا أن نتعرف سر ربحنا وخسارتنا، ومقدار ما بقى لنا أو علينا!! وهل أحسنا أو أسأنا في عرض الدعوة التى ناطتها الأقدار بنا؟ وما صلتنا بالعالم وما صلة العالم بنا؟ إننى أميل إلى تحميل المسلمين أوزار انسحابهم من الأندلس، وانكسارهم في شرق أوروبا، ثم افتضاح أحوالهم النفسية والاجتماعية والسياسية في مهزلة فلسطين من سبع سنين، أمام عصابات اليهود. وأميل إلى اتهام نظم الحكم والاقتصاد والتعليم عندنا، فهى مسئولة عن المصير الكابى الذى انتهينا إليه. وهى نظم إذا قورنت بهدى الله ورسوله بدا بينها وبينه أمد قصى .. ولقد ارتقى العالم في بقاع شتى، ووصل في نظمه العامة إلى ثمرات أطيب مما لدينا وأشهى، لأن ما لدينا لم يكن نتاج تدين صحيح. فلا عجب إذا سبقنا في مضمار الإجادة والكمال من يفقهون الحياة ويتذوقون طعومها .. وحق على المتخلفين في حياتهم أن يتعلموا ممن تقدموا وفاقوا، أيًا كان لونهم، وإقحام الدين في الحيلولة دون هذه الإفادة حمق كبير. ص _218