وعلة الزيغ الذى أصاب هذه الحضارة، أنها قامت أول أمرها في بيئة تفصل بين العقل والدين، أو بتعبير أدق في بيئة يعلن الدين فيها حربًا على العقل. فلما انتصر العقل في هذا الكفاح نشأت مع الحضارة التى كونها عقدة الزراية على الأديان جملة، والركض في أنحاء الدنيا دون تزود بوحى أو احترام لإيمان. وإذا بدا للنظر المجرد أن في الغرب معابد يتردد عليها حينا فهو تردد لا يحيا به قلب، ولا تهتز به عاطفة، ولا يستقيم به سلوك. نعم ولكن ما سبب هذا؟ هل سببه أن نشاط الدين يجب قصره على إصلاح القلب الإنسانى والابتعاد به عن المجال العقلى كما يفهم السيد"توفيق الحكيم"؟ كلا. إن العقائد التى تخلق الفضائل الكبرى والأعمال الرفيعة يستحيل أن تولد وتترعرع بعيدا عن العقل. وما طفحت بلاد الغرب بالشهوات المادية إلا لعجز الدين عن المواءمة بين أصوله وبديهيات الفكر الإنسانى. و إذا وهى الأصل فهيهات أن يقوم فوقه بناء. كيف يستنير القلب إذا لم يوقده شعاع من النظر الصائب والعقل السليم؟ كيف يمتلىء الصدر بالهواء إذا أغلق الأنف والفم؟ إننى أفكر أولا في الحقائق التى تعرض على، فإذا صحت عندى آمنت بها. وإذا آمنت بها تحرك القلب بمشاعر الخشية والإجلال. وإذا نبض القلب بروح هذا الإيمان الوافد عليه من نظر سليم توقعت منه الإخلاص والتقوى والإيثار وسائر ما يفتقر إليه عصرنا من فضائل. أما أن تعرض على الإيمان بشركة من الآلهة مثلا ثم تقول لى: أغلق عينك وعقلك وازدرد هذه الجرعة المرة فإن الإيمان محله القلب لا العقل. فهذه هى الخدعة الباردة مهما روج لها المروجون! ولن يكون لمثل هذا الإيمان أثر كبير في إصلاح فرد أو جماعة .. وهذا الذى تحدث عنه الأديب المشهور"توفيق الحكيم"إنما تأثر فيه خطا صديقه الدكتور"طه حسين"الذى ردد في بلادنا مفتريات المستشرقين على ديننا وتراثنا .. فإن الدكتور ساعد في نشر الفرية القائلة بأن الدين شىء، والعلم شىء آخر! ..