الصفحة 38 من 254

"أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون". وقد أشبه اليهود بهذا عدوهم فرعون الذى كفر بموسى هو وملؤه"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين". والبشر هم البشر في كل زمان ومكان، لا يزال فيهم من يحارب الحق وهو يعرفه لشهوات تحكمت فيه واستبدت به. لقد شق الفكر الإسلامى الأول طريقه إلى الحياة والسيادة بقوة رائعة أمكنته أن يتشعب مع النشاط الإنسانى دون كلال. ونستطيع القول بأنه ترك في الحضارة العالمية آثارًا خالدة. بل إننا -من غير تعصب- نقرر: أن الحرية العقلية ولدت أولا في"القاهرة"و"دمشق"و"القدس"و"بغداد"و"مراكش"، قبل أن تولد في"لندن"و"باريس"و"برلين"و"روما". وأن الصليبيين الأقدمين عادوا إلى بلادهم بهذه الحرية العقلية المجلوبة من الشرق، ليغسلوا بها أوضارهم، ويجددوا حياتهم، ويتخلصوا من قيود هائلة، لو بقوا بها ما نالوا قط قسطا من تقدم أو رخاء. إن التفكير النير الخير تألق في بلادنا دهرًا طويلا. واستطاع في ميدان التشريع والتربية وفى آفاق الحياة العامة أن يصنع العجائب. ومن المؤسف أن هذا التفكير الخصب قد احتبس تياره مع إغلاق باب الاجتهاد في الفقه ومع الانحراف الذى وفدت به علينا فلسفة اليونان وغيرها. لكن هذه العوائق العارضة لا تبخسه حقه الأصيل ولا قدرته على صنع مستقبل زاهر. كيف وهو مرتكز على الفطرة الراشدة والعقل الحر؟ إن عظمة التفكير الإسلامى تقوم على أنه يقدم للعالم إيمانا يعمر الدنيا، ويمهد للأخرى، ويعد الوجود الأول والأخير وحدة كاملة. ص _03 ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت