الصفحة 43 من 254

"نوطىء للبحث بطرح السؤال الآتى: ما هى أعظم مزية يمتاز بها دين الإسلام عن الأديان السماوية الأخرى؟ لا ريب عند المسلم في أن الأديان السماوية كلها من عند الله، ولا ريب عند العاقل أن هذه الأديان السماوية الثلاثة القائمة اليوم على الأرض هى"في أصلها الذى أنزله الله"تتلاقى جميعًا على كل معانى الحق والخير بلا أدنى خلاف. فالتفاضل بين دين سماوى ودين سماوى إنما هو تفاضل بالكم والكيف لا في الجوهر، وهو كالتفاضل الذى يكون بين قانونين أرضيين وضعتهما الدولة في فترتين مختلفتين، ولكن كان أولهما مختصرا قليل المواد وكان الثانى مطولا كثير المواد. بل الأصح أن نقول: كان أولهما بسيطا يسرد المواد من غير أن يتبسط بذكر المبادئ والأسباب الموجبة التى يرتكز عليها القانون، والثانى يضع إلى جانب المواد الأساسية التى يرتكز عليها القانون جملا مفصلة وبفتح باب الفهم العميق لكل مادة من هذا القانون، كما يفتح باب الاستنباط لكل مادة إضافية تقضى الحاجة أو الضرورة بوضعها في المستقبل. هكذا كان شأن الإسلام بين الأديان السماوية الأخرى، وبهذا قضت حكمة الله حين أنزل هذه الشريعة الخاتمة الكاملة التى أكد سبحانه كمالها بقوله:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا". ذلك أن الإنسان، كما قلت في كلمتى أمام مجمع البحوث عن"فلسفة الحرية في الإسلام"قد خلق، بحكمة الله البالغة، وهو يحمل في باطنه رغبتين: - رغبة الغرائز التى خلقها الله فيه ليعيش وينتصر في معركة البقاء. - ورغبة العقل الذى خلقه الله فيه ليدرك، الحق"إدراكًا واضحًا يتم له به الإيمان بالله وعبادته، ويتاح له به أن يتحكم في تلك الغرائز، ويلجمها حتى لا تجمح وتتعدى حدود الحق والخير. ذلك أن هذه الغرائز التى سلح بها الفرد لخيره وخير المجتمع تنقلب إلى شر مستطير على الفرد والجماعة حين تترك مطلقة جامحة لا يقيدها العقل بقيد الحكمة: فتصبح: - غريزة البحث عن الطعام. شرهًا وبطنة! .. ص _044

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت